يواجه قطاع الصاغة وتجارة الذهب في قطاع غزة أزمة حادة وغير مسبوقة من جراء استمرار الإغلاق للحركة والمعابر، ما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة البيع والشراء، وارتفاع أسعار المعدن الأصفر بنسبة تتراوح بين 25% و 27% مقارنة بأسعاره الحقيقية في الأسواق المجاورة.
وأكد محمد حبوب، رئيس نقابة تجار الذهب والصاغة في قطاع غزة، أن الذهب يمثل إحدى الركائز الاقتصادية الأساسية عالمياً وفي قطاع غزة على وجه الخصوص.
وأوضح حبوب لصحيفة "فلسطين" أن الذهب كان يدخل سابقاً عبر مصر والضفة الغربية، إلا أن الحرب والإغلاق التام أوقفا هذه الحركة بالكامل.
وأشار حبوب إلى أن المواطنين باتوا يتمسكون بالذهب كـ "ملاذ آمن" لمواجهة أزمة السيولة وتراجع الثقة بالعمليات المصرفية، حيث يفضل الكثيرون تحويل أموالهم المجمدة في البنوك إلى ذهب خشية فقدان قيمتها أو ضياعها.
وأضاف أن حركة البيع الحالية باتت محصورة في أضيق الحدود، وغالباً ما تقتصر على تصريف بعض المواريث الموزعة.
وعن التباين الكبير في الأسعار، بين حبوب أن أونصة الذهب التي يُفترض أن تُباع بسعر 4,000 دولار (كما هو الحال في مصر والضفة الغربية)، تُباع في قطاع غزة بنحو 5,500 دولار، بسبب الندرة الشديدة واستمرار الإغلاق.
كما نبه إلى أن قطاع الورش والمصانع يواجه شللاً تاما نظراً لفقدان نحو 80% من الأدوات والمواد الأساسية اللازمة للصياغة، والاعتماد على بدائل محلية بأسعار مضاعفة جداً.
مرحلتان رئيستان
من جانبه، أوضح عبد الهادي الأشقر، أحد تجار الذهب في غزة، أن سوق الذهب مرّ بمرحلتين رئيستين خلال الأزمة.
المرحلة الأولى (بداية الحرب) شهدت الأسعار انخفاضاً بنسبة 10% عن السعر العالمي، نتيجة اندفاع المواطنين لبيع ممتلكاتهم الذهبية لتوفير السيولة النقدية وتأمين الاحتياجات الأساسية.
المرحلة الثانية شهدت تحولاً حاداً وزيادة كبيرة في الطلب وصلت بالأسعار إلى ارتفاع بنسبة 25% إلى 27% فوق السعر الطبيعي، نتيجة رغبة المواطنين في الاحتفاظ بأموالهم في صورة ذهب ملموس بدلاً من الأرصدة الرقمية في البنوك، وفق الأشقر.
وأضاف الأشقر لصحيفة "فلسطين" أن الكميات التي تدخل القطاع حالياً خجولة جداً وتقتصر على ما يحمله بعض المسافرين، داعياً إلى فتح المعابر واستعادة حركة التجارة الطبيعية لإنعاش الأسواق وإعادة الاستقرار لأسعار المعدن النفيس.
ويطالب تجار وصاغة الذهب في قطاع غزة بفتح المعابر والسماح بدخول مستلزمات الصياغة والكميات اللازمة من الذهب، مؤكدين أن استمرار الوضع الحالي لا يضر بالتجار فحسب، بل يثقل كاهل المواطنين ويحرم الاقتصاد المحلي من أحد أهم مقومات استقراره.
قبل الحرب، كانت أسواق الذهب في غزة تعتمد بنسبة 70% على الإنتاج المحلي، مقابل 30% من واردات الضفة الغربية ودول عربية وأجنبية. وتخضع تجارة المعادن الثمينة في القطاع لأحكام القانون رقم (5) لسنة 1998، الذي ينظم عمليات الترخيص والرقابة والمتابعة في هذا المجال
وذكرت ووزارة الاقتصاد أن عمل الوزارة في قطاع الذهب لم يكن مستقرًا خلال فترة الحرب، فقد توقفت الجهود الرقابية في مراحل عدة بسبب خطورة الأوضاع، قبل أن تُستأنف فعليًا في يوليو/تموز 2025، في محاولة لإعادة السيطرة على السوق.
وأضافت في تصريح سابق لصحيفة "فلسطين" أن الوزارة أعادت تنظيم عملها عبر تقسيم القطاع إلى منطقتين رقابيتين: شمالية وجنوبية، مع تركيز الجهود في المنطقة الجنوبية الممتدة من وادي غزة حتى رفح، نظرًا لتعذر العمل في مناطق أخرى. ومن هناك، بدأت الفرق الفنية تنفيذ جولات ميدانية استهدفت محال بيع الذهب والمصانع.
وبيّنت أن أولى خطوات الرقابة تمثلت في فحص الذهب المتداول، خاصة غير المدموغ، من خلال سحب عينات وإخضاعها لما يُعرف بـ"التحليل الناري"، وهو الفحص المخبري المعتمد للتأكد من دقة العيار. وأظهرت النتائج أن الغالبية العظمى من الذهب مطابقة للمواصفات، فيما جرى ضبط كميات محدودة غير مطابقة، أُتلفت بعد تحويلها للجهات المختصة، مع إلزام أصحابها بسحب المنتجات المخالفة وتعويض المتضررين.
وفي موازاة ذلك، شددت الوزارة على المصانع ضرورة عدم تصنيع أي مشغولات ذهبية دون إشرافها المباشر، واشتراط فحصها ودمغها قبل طرحها في الأسواق.
ولفتت إلى أن عدد المصانع والورش العاملة تراجع من نحو 40 قبل الحرب إلى قرابة 8 فقط حاليًا، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة.
أما على صعيد الإنتاج، فأشارت إلى أن السوق كان يشهد دمغ نحو 300 كيلوجرام من الذهب شهريًا قبل الحرب، وهو ما يعكس حجم النشاط الذي تقلّص بشكل حاد خلال الفترة الأخيرة.
ويؤكد العاملون في القطاع أن استمرار إغلاق المعابر يهدد بشلل سوق الذهب، فيما يبقى فتحها وإدخال الذهب ومستلزمات الصياغة شرطًا أساسيًا لاستقرار الأسعار وإنعاش القطاع.