فلسطين أون لاين

12 عاملًا يعملون لإزالة ركام عمارة من 5 طوابق منذ شهر

تقرير رفع الركام.. غياب المعدات الثقيلة يدفع العمال لبدائل يدوية قاسية

...
12 عاملًا يعملون لإزالة ركام عمارة من 5 طوابق منذ شهر
غزة/ يحيى اليعقوبي:

فوق سطح عمارة مدمرة مكوّنة من خمسة طوابق بشارع الثورة غرب مدينة غزة، يقف العامل رمضان الددا وسط ركام كثيف، تتراكم الحجارة والحديد من حوله، في ينتشر 12 عاملًا في المكان، يحاولون تفكيك المبنى المدمر بأدوات بدائية لا تتجاوز السطول والجِرَافِي والطورية والمطرقة "مهدة"، وبهذه المهنة الشاقة التي فرضتها الحرب يبحثون بين الأنقاض عن قوت يومهم.

يرتدي العمال قبعات ومناشف فوق رؤوسهم لحمايتهم من شمس الظهيرة الحارقة، في حين تتصبب وجوههم عرقًا، وتظهر آثار الإجهاد واضحة على أجسادهم، ويتصبب العرق من رمضان ورفاقه، بعد أكثر من 25 يومًا من العمل اليومي في الموقع استطاعوا إزالة طابقين بهذه الطريقة القاسية على قاعدة "خد من التل بختل"، في مشهد تختلط فيه قسوة الدمار بقسوة البحث عن لقمة العيش.

ويلفت مشهد العمل اليومي للعمال انتباه المارة، الذين تصيبهم الدهشة من وقوف العمال أمام جبل ركام هائل ويعملون بلا كلل ورغم التعب والمشقة على إزالته، ويلجأ بعض أصحاب العمارات المدمرة للاستعانة بالعمال لإزالة الركام يدويا في ظل نقص الوقود الذي يرفع سعر ساعة العمل في الآليات الثقيلة إذ يصل سعر ساعة العمل للجرافة نحو 2000 شيقل، ليكون الخيار اليدوي حلا أمام نقص المعدات الثقيلة.

ويبدأ الددا في ساعات الصباح الأولى العمل مع 12 عاملا من نفس العائلة، وبينما كان يلتقط أنفاسه وسط حرارة الظهيرة وينتهي العمل كل يوم الساعة الثانية مساءً، يقول في حديثه لصحيفة "فلسطين" إن: "غياب المعدات الثقيلة جعل عملية إزالة الركام أكثر صعوبة، إذ يعتمد العمال على أدوات بسيطة في تفكيك الأسقف ونقل الحجارة والحديد".

أدوات بسيطة

ويضيف، فيما تبدو ملامح الإرهاق واضحة على وجهه: "نستخدم أدوات بسيطة، مثل الجرادل والسطول والكريك والطورية، ونقوم بتكسير الحجارة والأعمدة والأسقف بواسطة مطرقة بدائية تزن نحو ثمانية كيلوغرامات ولدينا منها اثنتان إذ يفترض أن نستخدم مطرقة بأوزان أكبر لكنها غير موجودة بالسوق فضلا عن ارتفاع ثمنها. لا توجد لدينا معدات أو آليات ثقيلة، فنحن نكسر السقف بالكامل، ثم ننزل الركام بأيدينا داخل السطول".

كان العمال يتوزعون على عدة نقاط فوق سقف الطابق الثالث الذي وصلوا إليه، فيقوم بعضهم بهدم الأعمدة ثم نقله بواسطة دلاء وسكبه فوق جبل ركام من الحجارة المكسرة بجانب المبنى، تمهيدا لنقلها من المكان بواسطة جرافة وشاحنة، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار الوقود واستئجار المعدات الثقيلة التي تفوق قدرة العمال على استخدامها.

84d3438d-818a-4e1b-9105-78a857f7d543.jfif
 

ويتابع: "الوقود غالٍ جدًا، واستئجار الآلية يكلف نحو ألف دولار في الساعة، وهذا مبلغ كبير بالنسبة لنا. لو توفرت المعدات والوقود، لكنا أنهينا العمل خلال يوم أو يومين، لكننا أمضينا حتى الآن نحو 25 يومًا، وتمكنا من إزالة ركام سقفين من أصل خمسة، ولا يزال أمامنا ثلاثة طوابق وقد نستغرق شهرا ونصف".

وبينما يحيط به العمال الذين يواصلون عملهم تحت الشمس، ينظر رمضان إلى وجوههم المتعبة، قائلا بصوت منهك أيضا: "منظر الشباب من حولي يوضح حجم التعب الذي نعيشه، ونواصل رغم الإرهاق لأننا مضطرون ولا نملك خيارا آخر، ونعود منهكين إلى بيوتنا، نستحم وننام من شدة التعب. أستيقظ لأتناول الطعام، ثم أشعر بالاختناق؛ فلا كهرباء ولا مياه كافية. أخرج قليلًا لأتنفس، ثم أعود إلى النوم متعبًا، وفي الصباح أعود إلى العمل من جديد".

ويضطر الددا للعمل لعدم وجود مصدر آخر، وكونه بحاجة إلى تأمين احتياجات أسرته في ظل واقع معيشي صعب مما دفعهم لقبول العمل بهذه الظروف، لافتا إلى أن هذه هي البناية الثانية التي يعمل على إزالة ركامها، بعدما أمضى نحو 15 يومًا في إزالة أنقاض بناية سابقة كانت مكوّنة من طابقين فقط، واستغرق العمل فيها نحو 15 يوما.

إمكانيات محدودة

وخلال اليوم تتوفر الكهرباء لساعة أو ساعتين للعمال، تمكنهم من استخدام آلة "الجلخ" لفصل الحديد عن الأعمدة، ثم تفكيك السقف وإنزال الركام.

في زاوية أخرى من المشهد، كان موسى الددا يتنقل في الأعمال بين تكسير الحجارة أو نقلها بدلاء نحو جبل الركام، قبل الحرب أنهى الثانوية العامة بمعدل 97%، وكان يطمح لأن يكون ممرضا، لم تمكنه ظروف الحرب وظروف عائلته من دراسة التخصص الذي كان يريده، فتنقل خلال الحرب بين العمل على بسطات، ثم انتهى به الحال لهذا العمل الشاق.

وفيما كان يحتمي تحت قبعة ومنشفة من حرارة الشمس، يقول بملامحه الداكنة من أثر العمل لصحيفة "فلسطين": "الحرب دمرت كل شيء، حاولت العمل في بيع "الكلور" والتبغ، وبسطات الطعام، لأني مجبر للبحث عن لقمة العيش وكوني متزوج ولدي طفلة وأنتظر مولودا جديدا فإني مضطر بالعمل بإزالة الركام بطريقة يدوية شاقة".

991245f1-48cd-4950-a540-755713f868e8.jfif
 

وبينما ينظر موسى إلى شكل العمارة التي بقي منها نصفها، يستذكر اللحظات الأولى لوقوفه فوق خمس طبقات في أول يوم عمل في هذه العمارة، واصفا المشهد بـ "بالمخيف"، ويبتسم في غمرة التعب: "عملنا كما يقول المثل الشعبي "خد من التل بختل" فكنا نحمل الحجارة من الأعلى ثم ننزل إلى الأسفل".

ويحصل العمال على أجرة يومية مقابل هذا التعب الشديد لا تزيد عن 50-70 شيقلا، لكن فخري الددا وهو أحد العمال في إزالة الركام يقول إن وجود دخل أفضل من "اللا شيء".

وحتى المعدات اليدوية تتعرض للتعطل نتيجة الاستخدام المستمر، ويحكي الددا لصحيفة "فلسطين عن ذلك: "بشكل مستمر نقوم بإصلاح المعدات ولهذا تكلفة مالية، اشترينا مطرقة "مهدة" بوزن 8 كغم بسعر 8 شيقل ونبحث عن مطرقة بوزن 25 كغم والتي يبلغ سعرها حاليا 3 آلاف شيقل وهي غير موجودة بالسوق".

المصدر / فلسطين أون لاين