في الشارع المؤدي إلى مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس، يجلس عبد عويضة أمام صندوق صغير يضم عشرات الولاعات المعطلة، ومجموعة من النوابض والأحجار وقطع البلاستيك الدقيقة. يمسك كل ولاعة بعناية، يفككها وينظفها ويبدل أجزاءها التالفة، قبل أن يعيد إليها الشرارة من جديد.
لم يكن إصلاح الولاعات مهنة معروفة في قطاع غزة قبل الحرب، لكن استمرار الحصار وإغلاق المعابر ومنع دخول كثير من السلع، إضافة إلى ارتفاع أسعار القداحات إلى مستويات غير مسبوقة، حوّلها إلى مصدر رزق جديد لعشرات الفلسطينيين، في وقت اختفت فيه مهن أخرى كانت قد ازدهرت خلال الحرب، مثل إصلاح العملات الورقية البالية.
ومع ندرة القداحات في الأسواق، ارتفع سعر الولاعة الواحدة إلى ما بين 70 و100 شيكل، بعدما كانت تباع قبل الحرب بأقل من شيكلين، الأمر الذي دفع كثيرين إلى الاحتفاظ بالولاعات التالفة بدلاً من التخلص منها، والبحث عن من يستطيع إصلاحها وإعادتها إلى العمل.
يقول عبد عويضة، لصحيفة "فلسطين": إن الإقبال على هذه المهنة ازداد بشكل لافت خلال الأشهر الأخيرة.
ويضيف: "الناس أصبحت تعد الولاعة شيئاً ثميناً، لذلك يأتون لإصلاحها بدلاً من شراء أخرى. أصلح عشرات الولاعات يومياً، وأحقق دخلاً يتراوح بين 40 و50 شيكلاً في اليوم، وهو كل ما أعتمد عليه لإعالة أسرتي المكونة من 12 فرداً."
ويشير إلى أن عملية الإصلاح لا تقتصر على تنظيف الولاعة، بل تشمل تبديل الحجر أو النابض أو تعديل صمام الغاز وإعادة تركيب القطع المستعملة من ولّاعات أخرى أصبحت مصدراً لقطع الغيار.
ولا تقتصر أزمة القداحات على ارتفاع أسعارها، بل تمتد إلى تأثيرها المباشر على الحياة اليومية للأسر التي تعتمد على إشعال الحطب لإعداد الطعام، في ظل استمرار أزمة غاز الطهي.
ويقول خضر بربخ، وهو نازح يعيش داخل خيمة في خانيونس، إنه لا يملك ولاعة في معظم الأوقات، ويضطر إلى انتظار أحد الجيران أو المارة لإشعال النار.
ويضيف لـ"فلسطين": "أحياناً أجهز الحطب والطعام، لكنني أبقى أنتظر حتى أجد شخصاً لديه ولاعة. قد نتأخر ساعات في إعداد الطعام لأننا لا نستطيع إشعال النار."
وتعكس هذه المعاناة حجم التحول الذي طرأ على أبسط الأدوات المنزلية، بعدما أصبحت سلعة نادرة لا يستطيع كثير من السكان توفيرها.
أما ولاء أحمد (55 عاماً)، التي تعيش مع أفراد أسرتها داخل منزل مدمر جزئياً وسط مدينة خانيونس، فتقول إن أزمة الولاعات أصبحت عبئاً مالياً جديداً يضاف إلى أعباء الحياة اليومية.
وتوضح لـ"فلسطين" أنها تطهو الطعام يومياً لعشرة أفراد على الحطب، وأن الولاعات تتلف باستمرار بسبب كثرة الاستخدام.
وتقول: "خلال الأشهر الستة الماضية أنفقت نحو 200 دولار لشراء ست ولّاعات فقط. كلما تعطلت واحدة اضطررت إلى شراء أخرى بسعر مرتفع، لأننا لا نستطيع الاستغناء عنها في إعداد الطعام."
وتضيف أن الحصول على ولاعة أصبح أحياناً أصعب من الحصول على بعض المواد الغذائية، في ظل استمرار نقص البضائع وارتفاع الأسعار.
مقتنى ثمين
وفي مدينة غزة، لم يكن محمود نوفل، يتوقع أن تتحول الولاعة الصغيرة التي يحملها في جيبه إلى مقتنى ثمين يحتاج إلى الصيانة والإصلاح، بعدما كانت قبل الحرب سلعة زهيدة الثمن تُستبدل فور تعطلها.
فقبل أيام حاول نوفل، مرارًا إشعال النار كي تتمكن زوجته من إعداد طعام الإفطار لعائلته المكونة من خمسة أفراد، لكن الولاعة تعطلت، ولم يكن أمامه سوى التوجه من خيمته في حي الشيخ رضوان إلى أحد العاملين في صيانة الولاعات.
وبالقرب من مفترق الصاروخ في شارع الجلاء بمدينة غزة، رتبت عشرات الولاعات القديمة والجديدة فوق طاولة صغيرة، في حين ينهمك شبان في تفكيكها وإصلاحها.
وبعد فحص ولاعته، تبين لنوفل أنها تحتاج إلى تعبئة غاز وتركيب عمود الشرارة المسؤول عن توليد الاحتكاك اللازم لإشعال النار، مقابل عشرة شواقل، وهو مبلغ أقل بكثير من ثمن شراء ولاعة جديدة.
يقول نوفل لصحيفة "فلسطين": إن سعر الولاعة الواحدة ارتفع بصورة غير مسبوقة، إذ تجاوز 70 شيقلا، بعدما كان لا يتعدى نصف شيقل قبل الحرب، ما دفع المواطنين إلى المحافظة على الولاعات وصيانتها بدل التخلص منها كما كان يحدث سابقًا.
ويضيف: "قبل الحرب لم تكن للولاعة أي قيمة، أما اليوم فأصبحت وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها، فهي التي تمكننا من إشعال النار وطهي الطعام، فلو تعطلت ولم نستطع إصلاحها، فلن نتمكن من إعداد الطعام.
ويشير إلى أنه يضطر إلى صيانة ولاعته مرة كل أسبوع أو أسبوعين، بتكلفة تتراوح بين 10 و15 شيقلًا، معتبرًا أن ذلك أوفر من شراء ولاعة جديدة بأسعار باتت تفوق قدرة معظم الأسر في القطاع مع انعدام الدخل واستمرار حرب الإبادة.
من جانبه، يقول أحمد الكفارنة (21 عامًا)، وهو أحد العاملين في مجال صيانة الولاعات: إن هذه المهنة لم تكن موجودة قبل الحرب، لكنها ظهرت نتيجة الارتفاع الهائل في أسعار الولاعات ومنع دخولها إلى القطاع.
ويوضح الكفارنة لصحيفة "فلسطين" أن المواطنين في السابق كانوا يرمون الولاعة بمجرد انتهاء الغاز أو تعطلها، أما اليوم فأصبحت أشبه بكنز صغير، ونحاول إصلاح كل قطعة فيها حتى تعود للعمل، لأن شراء واحدة جديدة أصبح رفاهية لا يقدر عليها معظم الأهالي.
صيانة دورية
أما معين أبو عودة، وهو أيضا أحد العاملين في صيانة الولاعات، فيؤكد أن استمرار الحرب ومنع إدخال البضائع خلق مهنًا جديدة لم تكن معروفة في غزة، من بينها صيانة الولاعات، التي أصبحت ضرورة يومية للسكان.
ويقول أبو عودة، لصحيفة "فلسطين": إن معظم المواطنين فقدوا مصادر دخلهم، ولم يعد بإمكانهم شراء ولاعات جديدة، لذلك يقصدون أماكن الصيانة لإصلاح القديمة وإطالة عمرها لأطول فترة ممكنة.
ويضيف: هناك من يأتي إلينا أكثر من مرة في الشهر لإصلاح الولاعة نفسها، نظرا لارتفاع أسعار الولاعات وشح مصادر الدخل.
ويؤكد أبو عودة، أن استمرار الحرب والحصار دفع المواطنين إلى إعادة استخدام كل شيء، حتى الأدوات التي كانت تُرمى سابقًا، مطالبًا المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية بالتحرك العاجل لإدخال احتياجات الغزيين، ووقف الحرب التي أنهكت السكان وأدخلتهم في أزمات معيشية غير مسبوقة.
إصلاح العملات الورقية
وفي المقابل، تشهد مهن أخرى كانت قد ازدهرت خلال الحرب تراجعاً واضحاً، وعلى رأسها إصلاح العملات الورقية البالية، التي انتشرت مع تلف الأوراق النقدية نتيجة النزوح والرطوبة وسوء التداول.
ويقول محمد سلام، الذي عمل لفترة في إصلاح العملات الورقية، إن هذه المهنة لم تعد توفر دخلاً كما في السابق.
ويضيف لـ"فلسطين": "كانت الأوراق النقدية التالفة كثيرة، والناس يحتاجون إلى إصلاحها حتى يتمكنوا من استخدامها. أما اليوم فأصبحت الأوراق النقدية شحيحة، واتجه كثير من المواطنين إلى التسديد الإلكتروني، لذلك توقفت تقريباً عن ممارسة هذه المهنة."
ويرى أن التحول نحو الدفع الإلكتروني، إلى جانب تناقص السيولة النقدية وعدم صرف الرواتب، أدى إلى اختفاء الحاجة إلى إصلاح العملات، بينما ظهرت مهن جديدة فرضتها ظروف الحرب، مثل إصلاح الولاعات وإعادة تدويرها.
وتعكس هذه التحولات كيف أعادت الحرب تشكيل سوق العمل في قطاع غزة، إذ لم تعد المهن التقليدية وحدها قادرة على توفير الدخل، بل ظهرت أعمال مرتبطة مباشرة باحتياجات السكان اليومية وبالسلع النادرة التي يصعب تعويضها.
وبينما كانت الولاعة في الماضي أداة زهيدة الثمن يمكن استبدالها بسهولة، أصبحت اليوم سلعة ثمينة تستحق الإصلاح والصيانة وإعادة التدوير.