كثفت سلطات الاحتلال في السنوات الماضية عدوانها على دائرة الأوقاف الإسلامية، القائمة بخدمة المسجد الأقصى، ورعاية شؤون المقدسات في المدينة المحتلة، وتسعى سلطات الاحتلال من خلال هذه السياسة، إلى طرد الأوقاف من المدينة بشكلٍ كامل، والحلول محلها، في إطار ما ترنو إليه من تحقيق ما يُسمى "المقدس المشترك"، وتحويل إدارة المسجد الأقصى إلى إدارة مشتركة، يُصبح فيها الفلسطينيون والمسلمون طرفًا لا أصحاب السيادة الكاملة، وتتركز اعتداءات الاحتلال على عرقلة عمل دائرة الأوقاف، واستهداف موظفي الدائرة، وتقليص حضورها بشكلٍ تدريجي وكامل.
تقليص صلاحيات الأوقاف في التحكم بالمسجد
بدأت أذرع الاحتلال عدوانها من خلال السيطرة على مفاتيح باب المغاربة على احتلال الشطر الشرقي من القدس المحتلة، وتخصيصه لاقتحامات المستوطنين شبه اليوميّ. وكانت ثاني تلك الخطوات انتزاع صلاحية إدخال السياح إلى الأقصى، فخلال "انتفاضة الأقصى" انتزعت شرطة الاحتلال هذا الحقّ من دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس في شهر آب/أغسطس 2003، فقد أوقفت دائرة الأوقاف إدخال السياح على أثر انطلاق انتفاضة الأقصى في نهاية شهر أيلول/سبتمبر عام 2000، وجاء قرار إعادة إدخالهم من قبل حكومة الاحتلال في 20/8/2004.
ولم تقف محاولات الاحتلال عند ما سبق، فقد لحق هذا العدوان محاولات حثيثة من عناصر الاحتلال الأمنية للسيطرة كاملة على أبواب الأقصى، ووضع الحواجز أمامها، والتدقيق في بطاقات المصلين، وما يتصل بهذه الحواجز من قيودٍ عمرية، واعتقال المصلين وغيرها، ومنذ عام 2015 تمادت أذرع الاحتلال الأمنية بفرض هذه الإجراءات، ابتداءً بحظر دخول المرابطات، مرورًا بحظر الحركة الإسلامية ومصاطب العلم، وصولًا إلى عام 2017 حيث حاولت تركيب البوابات الإلكترونية أمام أبواب المسجد.
ومن المهم الإشارة إلى سياسة إغلاق أبواب الأقصى، على أثر تنفيذ المقاومين عمليات نوعية في البلدة القديمة، وخلال الحروب التي تخوضها دولة الكيان، وآخر قرارات الإغلاق الجائرة هذه في 13/6/2025 بالتوازي مع الحرب الإسرائيلية على إيران لـ 12 يومًا، وفي بداية عام 2026 حيث أغلقت سلطات الاحتلال الأقصى لـ 40 يومًا. وتؤكد هذه السياسة وما يتصل بالإغلاق الأطول منذ احتلال الشطر الشرقي من القدس بسبب تعليمات "الجبهة الداخلية"، بأنها جزء من سياسة إسرائيلية تسعى إلى تقويض دور الأوقاف، وصلاحياتها، ومحاولة تكريس أذرع الاحتلال الأمنية بوصفها الجهة التي تتحكم فعليًا بالمسجد.
استهداف حراس المسجد الأقصى
شكل استهداف جهاز حراس الأقصى، جزءًا من استهداف دور دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس وتقويض عملها، من خلال استهدافٍ مُـنَـظَّـم لحراس الأقصى، وخلال السنوات الماضية تعرضوا إلى هجمات متتالية هدفت إلى "تقليمٍ" متعمدٍ لـ"أظفار" الحراس، أي استهدافهم وأماكن عملهم، وما يستطيعون فعله في الأقصى، فقد استطاع الاحتلال أن يُحجِّم دورهم بشكلٍ كبير، من خلال الضغط المتزايد عليهم.
ومن المهم الإشارة إلى أن الاحتلال لم يقمع الحراس بشكلٍ مفاجئ، وبين ليلة وضحاها، ولكنه عمل على تحجيم دورهم وما يقومون به في الأقصى بشكلٍ متدرج ومتصاعد، وهي استراتيجيّة أدت في نهاية المطاف إلى الواقع الذي وصلنا إليه، والذي وصل حدّ منعهم من الاقتراب من المقتحمين بشكلٍ كامل.
وبالتوازي مع هذه الإجراءات، صعّدت قوات الاحتلال من استهداف الحراس، عبر اعتقالهم المتكرر من أماكن عملهم، ومن داخل المسجد الأقصى، وتنفيذ اعتداءات جسدية ونفسية ترافق الاعتقال، ومن ثمّ التحويل إلى مراكز التحقيق وغيرها، وإصدار قرارات إبعاد عن المسجد تصل إلى ستة أشهر، ويُمكن أن تتكرر بأوامر من شرطة الاحتلال، وبطبيعة الحال قرار الإبعاد عن الأقصى يؤثر بشكل مضاعف في حارس الأقصى وموظف الأوقاف، فهو يُبعد عن الأقصى، ويُبعد عن مكان عمله بشكلٍ متزامن، وشهدت السنوات الماضية إصدار محاكم الاحتلال قرارات حبس بحق عددٍ من حراس الأقصى، وهدمت منازل بعضهم.
وإلى جانب ما سبق، يُعاني جهاز الحراس نقصًا حادًا في عديده، فلم تكن إجراءات الاحتلال تستهدف صلاحيات الحراس ومساحة عملهم فقط، بل شملت استهداف أعدادهم، فلم تسمح سلطات الاحتلال لدائرة الأوقاف الإسلامية برفد الحراس بأعداد جديدة، وعلى الرغم من ندرة المعطيات المنشورة حول النقص في أعداد الحراس فإن هناك معطيات نشرت في نهاية عام 2021 كشفت أن الاحتلال منع دائرة الأوقاف في القدس المحتلة من رفع أعداد حراس الأقصى، وبحسب ما نشر حينها يضم جهاز حراس الأقصى نحو 160 حارسًا، وهو عددٌ لا يكفي البتة، نظرًا لمساحة المسجد الشاسعة وعدد أبوابه، وما يتعرض له من مخاطر واعتداءات، وبحسب مصادر الأوقاف تمنع سلطات الاحتلال تعيين حراسٍ جدد، وفي حال تعيين دفعة جديدة، تعتدي عليهم قوات الاحتلال، وتمنعهم من دخول المسجد لاستلام أعمالهم.
ومن هذه الاعتداءات، ما شهده شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2021 حين عيّنت الأوقاف 15 حارسًا جديدًا، ولكن سلطات الاحتلال منعتهم من مزاولة عملهم.
عرقلة عمل الأوقاف في ترميم الأقصى وصيانته
يشكل منع الترميم وعرقلة مشاريع الإعمار في الأقصى واحدةً من صور تدخل الاحتلال في إدارة المسجد، ويهدف الاحتلال من خلالها إلى فرض رقابة صارمة على المسجد، وإجبار دائرة الأوقاف على اطلاعه على أي أعمال تقوم بها فيه، وأدت سياسة منع أعمال الصيانة والترميم إلى انهيارات مختلفة في عددٍ من المواقع داخل المسجد الأقصى، وأبرزها في التسوية الجنوبية الغربية، وداخل مصلى قبة الصخرة.
وإلى جانب أهداف الاحتلال الرامية إلى ترك المسجد الأقصى في حالة متردية من ناحية العمارة والترميم، وإمكانية أن تصبح بعض مباني المسجد آيلة للسقوط، تحاول سلطات الاحتلال أن تتخذ من ملف الترميم والعمارة أداةً لفرض المزيد من التدخل في الأقصى، وممارسة الضغوط على دائرة الأوقاف ليصبح ترميم الأقصى أداة يقايض بها الاحتلال دائرة الأوقاف، ويدفعها إلى الموافقة على ما يُريد فرضه في الأقصى وأمام أبوابه، في مقابل السماح لها بإجراء بعض عمليات الترميم في المسجد الأقصى.
وتعرقل سلطات الاحتلال أعمال ترميم الأقصى وصيانته من خلال جملة من الاعتداءات، ابتداءً من خلال التدخل المباشر في أعمال الترميم، والتي تقوم بها ما يُسمى "سلطة الآثار الإسرائيلية"، وتهدد برفقة مخابرات الاحتلال عمال دائرة إعمار الأقصى بالاعتقال في حال استكمالهم عمليات الترميم، إلى جانب منع الدائرة من إدخال المواد الضرورية لعمليات الترميم والصيانة، والاستيلاء على صلاحيات الأوقاف القاضية بترميم الأجزاء الخارجية من المسجد، حيث تتعمد سلطات الاحتلال ترميم هذه الأجزاء من قبل أذرعها، وأخيرًا منع الدائرة من القيام بأي أعمال ترميم، وهو منع بدأ في 2/7/2023
.وبحسب هذه المصادر فإن سلطات الاحتلال تتعمد حرمان المسجد من أعمال الترميم الجوهرية، فيما تسمح بترميم أمور شكلية في بعض الأماكن من الأقصى، وتمارس شرطة الاحتلال وسلطة الآثار الإسرائيلية دورًا مباشرًا في عرقلة أي ترميم في مصليات المسجد وساحاته وأرضياته، ويهدف الاحتلال من سياسة الحرمان هذه إلى أن تصبح أبنية المسجد ومصلياته متداعية، وهذا ما يرفع إمكانية انهيارها نتيجة أسبابٍ طبيعية، أو نتيجة الحفريات أسفل وفي محيط المسجد، إضافةً إلى جعل انهيارات الحجارة داخل مصليات المسجد، تشكل خطرًا على الوجود الإسلامي داخلها، في سياق محاولاته إفراغ المسجد من العنصر البشري الإسلامي.