في ساعة مبكرة، بدأ خليل أبو جيّاب يومه عند رمال الشاطئ، غرب مدينة غزة. كان هدير البحر يعلو مع كل موجة تتكسر أمامه بقوة، في حين بدا الشاب محافظًا على هدوئه وهو يؤدي تمارين الإحماء، إيذانًا ببدء مغامرة ركوب أمواج جديدة.
وما إن انتهى، حمل لوح ركوب الأمواج تحت ذراعه، وبدأ يركض نحو البحر، في حين لم يكن الأفق القريب خاليًا من الزوارق الحربية الإسرائيلية التي تستبيح البحر وتفرض هيمنتها.
وعلى الرغم من ذلك، لم يتراجع أبو جيّاب، ودفع لوحه القديم إلى الماء، ثم ألقى بجسده فوقه، وبدأ يجدّف بيديه مبتعدًا عن الشاطئ. وعندما لاحت موجة كبيرة، اعتلاها وحلّق فوقها لثوانٍ، قبل أن يتأرجح ويسقط في المياه.
"ركوب الأمواج ليس مجرد هواية أمارسها، بل أسلوب حياة بالنسبة لي. تعلمتها منذ صغري، وما زلت متمسكًا بها رغم المخاطر"، قال أبو جيّاب لصحيفة "فلسطين" بنبرة تحدٍّ.
ومنذ أن تعلم أبو جيّاب ركوب الأمواج من والده، الذي يُعد واحدًا من أوائل راكبي الأمواج في غزة، لم يعد البحر بالنسبة له مجرد مساحة للرياضة، بل نافذة ضيقة يحاول من خلالها أن يتنفس شيئًا من الحرية.
لكن هذا الشغف يصطدم يوميًا بخطر يلوح في الأفق دائمًا؛ فالزوارق الحربية التي تجوب البحر تجعل كل موجة يعتليها مغامرة غير مضمونة، ويتحول التدريب في أي لحظة إلى سباق للنجاة.
وفي العادة، يرافق تحرك الزوارق الحربية في مناطق قريبة من الشاطئ ملاحقة الصيادين واعتقالهم، وإطلاق الرصاص والقذائف، ما يؤدي إلى إصابة أو استشهاد مواطنين أبرياء.
ورغم ذلك، يواصل أبو جيّاب نزول البحر، مدركًا أن التراجع يعني التخلي عن الحلم الذي كبر معه؛ إذ يحمل منذ سنوات طموحًا كبيرًا بالسفر إلى خارج القطاع الساحلي، والمشاركة في مسابقات يعتلي المشاركون فيها أمواجًا يتجاوز ارتفاعها عشرات الأمتار.
ويستخدم أبو جيّاب لوحًا قديمًا لركوب الأمواج، ورثه بعد سنوات من الاستخدام، بعدما أصبح الحصول على ألواح جديدة أو معدات احترافية أمرًا شبه مستحيل في ظل الحصار والظروف التي يعيشها قطاع غزة.
ورغم ما يحمله اللوح من آثار الزمن، فإنه ما يزال وسيلته الوحيدة لملاحقة الأمواج وتطوير مهاراته.
يبتسم وهو يمرر يده على حوافه المتآكلة، وهو يدرك جيدًا أن قيمة هذا اللوح لا تُقاس بعمره أو حالته، بل بما يحمله من ذكريات وساعات طويلة قضاها فوق قمم الأمواج، تعلم خلالها من كل سقوط كيف يقف مجددًا فوق الموجة التالية.
وقبل حرب الإبادة، كان مجتمع راكبي الأمواج في غزة صغيرًا، لكنه نابض بالحياة ويلقى اهتمامًا كبيرًا عند الشاطئ؛ إذ كان نحو 17 شابًا يلتقون باستمرار، وينظمون البطولات، ويتبادلون الخبرات، ويقضون ساعات طويلة في التدريب رغم الإمكانات المحدودة.
لكن بعد أكثر من ألف يوم من اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يبقَ من ذلك المشهد سوى ثلاثة شبان فقط يركبون الأمواج، من بينهم أبو جيّاب. إذ توقف الغالبية عن ممارسة هذه الرياضة بسبب الحرب، وفقدان ألواح ركوب الأمواج، وعدم توفر أي بدائل أخرى.
ويعترف أبو جيّاب بأنه في خِضمّ الحرب وما رافقها من نزوح متكرر، كان يحافظ على لوحه كما يحافظ على حياته؛ إذ كان يتنقل به بين أحياء ومحافظات القطاع، مدركًا أنه أكثر من مجرد أداة للرياضة، بل وسيلته الوحيدة للتمسك بحلمه الذي يخشى فقدانه.
ويقول: إن أكثر ما يؤلمه ليس قلة العدد فحسب، بل غياب الروح التي كانت تجمع راكبي الأمواج. فالمنافسة الودية، والضحكات بعد انتهاء التدريب، والحديث عن تطوير المهارات، كلها أصبحت ذكريات يرويها لمن يسأله عن الأيام التي سبقت الحرب.
ورغم تقلص عدد ممارسي هذه الرياضة، يرفض أبو جيّاب التخلي عن البحر، وهو يدرك أن المحافظة على شغفه تعني أيضًا الاستمرار في ممارسة رياضة كادت تختفي من شواطئ غزة.
وعندما ينزل أبو جيّاب إلى البحر، يرافقه صديقه عبد الرحيم الأستاذ (19 عامًا)، وهو طالب جامعي عشق رياضة ركوب الأمواج منذ أن تعلمها قبل بضع سنوات، رغم إدراكه لمخاطر ممارسة رياضته المفضلة في بحر محاصر بالزوارق الحربية ومهدد بنيرانها.
ويروي أن ممارسة ركوب الأمواج تتحول غالبًا إلى مغامرة محفوفة بالخطر، بفعل اقتراب الزوارق الحربية من المناطق الشاطئية، ومرافقتها بمسيّرات حربية إسرائيلية من نوع "كواد كابتر".
ويضيف لـ"فلسطين" أن رؤية هذه المسيّرات وهي تحلق على ارتفاع منخفض يكفي ليكون إنذارًا بوجود خطر يخيّم فوق البحر.
ولا يخفي الأستاذ، الذي يدرس نظم المعلومات الإدارية والتجارية، أن حلمه لا يقتصر على مقاعد الدراسة، بل يتجاوز حدود غزة وبحرها؛ فمنذ سنوات، يتابع عبر الإنترنت بطولات ركوب الأمواج العالمية، ويشاهد الرياضيين وهم يواجهون أمواجًا عالية، ويحاول أن يتخيل نفسه بينهم يومًا ما.
ويرافق راكبا الأمواج الأستاذ وأبو جيّاب بعضهما بضعًا مع كل موجة عالية، وعندما يمتطيان واحدة منها وتحملهما معًا، يتابعهما رواد الشاطئ، وغالبيتهم من سكان خيام النزوح الذين فقدوا منازلهم إبّان الحرب المدمرة.
وبينما يخفي البحر الكثير من حكايات الفقد والألم، يوثق مصطافون ونازحون هذه اللحظات النادرة من الفرح بكاميرات هواتفهم.
وقبل أن تنتهي مغامرة التدريب، يندفع أبو جيّاب نحو البحر بسرعة ليعتلي موجة عالية، فيتمايل فوقها ويتأرجح محاولاً حفظ توازنه. عندها يغيب كل شيء عن المشهد، إلا من راكب أمواج يطوف فوق قممها بلوح قديم وحلم كبير.