قائمة الموقع

بين طوابير الصهاريج وأنابيب جافة.. العطش يحاصر آلاف النازحين في جامعة الأقصى بخانيونس

2026-07-29T10:24:00+03:00
العطش يحاصر آلاف النازحين في جامعة الأقصى بخانيونس (أرشيف)
فلسطين أون لاين

خانيونس/ ربيع أبو نقيرة-تامر قشطة:

لم تعد رحلة البحث عن الماء في مخيمات النازحين في منطقة جامعة الأقصى غرب خانيونس مجرد مهمة يومية، بل تحولت إلى معركة تستنزف الوقت والجهد والكرامة، مع تواصل حرب الإبادة الإسرائيلية.

فمنذ أسابيع، يعيش آلاف النازحين أزمة عطش متفاقمة بعد تعطل وصول المياه عبر الشبكات، ليصبح الاعتماد شبه الكامل على صهاريج المياه التي لا تكفي لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات.

يحدث ذلك في وقت لا يقتصر نقص المياه المحلاة على معاناة العطش في مخيمات النازحين بمنطقة مواصي خانيونس، بل يتحول يوميًا إلى مصدر خطر صحي متصاعد، مع تسجيل إصابات جديدة بالتهابات المسالك البولية وتجرثم البول وحصى الكلى، مع اعتماد آلاف النازحين على مياه غير آمنة أو شديدة الملوحة، ونقص حاد في مواد النظافة والأدوية اللازمة للعلاج.

انقطاع مفاجئ

النازحة في منطقة جامعة الأقصى مي محمد تصف ما تعيشه بمرارة قائلة: “والله العظيم أنا عن نفسي أشعر بالذل بسبب أزمة المياه، قبل الدوام أذهب إلى عربية المياه وأصطف في الدور حتى أحصل على عدة قرب، وبعد الدوام بالكاد يرتاح الواحد، ثم نقضي الوقت في نقل المياه”.

وتضيف لصحيفة "فلسطين" أن خطوط المياه كانت تصل إلى الخيام قبل أن تنقطع بشكل مفاجئ، ما ضاعف معاناة آلاف الأسر.

أما النازح أبو علي يونس، فيؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود الاحتمال، قائلاً: “إلنا شهر كامل بنعاني، وما فيش مي للشرب ولا للحمام ولا للغسيل”.

ويشير إلى أن النازحين سمعوا مرارًا عن وعود بإصلاح المشكلة وتشغيل المضخة، لكن شيئًا لم يتغير على أرض الواقع.

ويضيف: “العائلة المكونة من 12 شخصًا تضطر لأن تمشي 2 كيلومتر أو ثلاثة حتى تعبي جالون مي، ولما تيجي سيارات المياه بتصير زحمة ومشاكل بين الناس، وكل هذا عشان جردل أو جالون مياه”.

ولا تختلف معاناة حسن اسعيفان كثيرًا، إذ يوضح أن بئر أبو يونس، التي تعتمد عليها الجامعة، تعمل حاليًا بالطاقة الشمسية فقط، وهو ما يجعل ضخ المياه محدودًا للغاية.

ويقول: “المياه بتوصل يوم بعد يوم ولمدة 14 دقيقة فقط لكل خط، هل يعقل أن أنبوبًا واحدًا يغذي نحو 30 عائلة خلال هذه المدة؟”.

ويضيف أن المياه العذبة التي تصل عبر الصهاريج توزع عند بوابات الجامعة، ما يضطر النازحين إلى حمل أوعية المياه والسير بها مسافات طويلة داخل المخيم، في حين يعيش مئات الأسر في كل مربع سكني الظروف ذاتها.

عدم توفر زيت المحركات

من جانبه، يوضح المهندس يوسف عبد العال عضو لجنة فرعية في أحد مخيمات الأقصى، أنه جرى التواصل مع مسؤول مخيمات جامعة الأقصى، بعد تصاعد مناشدات النازحين لتوفير المياه وتشغيل الغواطس الثلاثة الموجودة داخل الجامعة.

ويبين أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص مصادر المياه، وإنما في تعطل تشغيل المولد بسبب عدم توفر كمية من زيت المحركات المفقود، تقدر بخمسة لترات فقط.

ويضيف أن إدارة مخيمات الأقصى تواصلت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي أكدت استعدادها للتنسيق مع مصلحة مياه بلديات الساحل فور توفير الزيت اللازم لتشغيل المولد، بعد مخاطبة المصلحة رسميًا.

بدوره، يوضح الناشط أبو ضياء لافي أن بعض المؤسسات ما زالت توفر مياه شرب عبر الصهاريج، لكنها بالكاد تكفي للاستهلاك الآدمي، في حين أدى توقف المضخة إلى تضاعف الطلب عليها.

ويشرح أن الأسرة التي كانت تحتاج يوميًا إلى نحو 20 لترًا للشرب، في حين تحصل على بقية احتياجاتها من شبكة المياه، أصبحت اليوم تعتمد على الصهاريج لتأمين كامل استهلاكها، ما رفع الطلب على المياه العذبة عدة أضعاف.

ومنذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يفرض الاحتلال قيودا مشددة على إدخال العديد من السلع إلى القطاع، من بينها زيوت المحركات الصناعية وقطع الغيار، مما يهدد بتوقف معظم مناحي الحياة، بما يشمل خدمات المياه والصرف الصحي، والمخابز، والمواصلات، وتشغيل المشاريع الصغيرة، وإنارة المنازل.

خطر صحي

وفي وقت تتفاقم فيه الظروف الصحية والمعيشية داخل مخيمات النزوح، يقول الدكتور جمال الهمص، المدير الطبي في المستشفى الكويتي التخصصي الميداني بمحافظة خانيونس، إن المستشفى يستقبل أعدادًا كبيرة من المرضى الذين يعانون من أمراض المسالك البولية، مشيرًا إلى أن المئات يعانون تجرثم البول، المعروف طبيًا باسم (Urosepsis).

ويعزو الهمص ازدياد هذه الإصابات إلى غياب المياه النظيفة ومواد النظافة الشخصية، موضحًا أن النازحين يواجهون صعوبة في الحصول على المياه اللازمة للشرب والنظافة، إلى جانب نقص الصابون والمطهرات وغيرها من المستلزمات الأساسية. ويؤكد أن هذه الظروف تهيئ بيئة مناسبة لانتشار الالتهابات وتطورها، خصوصًا مع صعوبة الوصول إلى العلاج المناسب.

ولا تتوقف تداعيات أزمة المياه عند الالتهابات، إذ تسجل العيادات أيضًا حالات متزايدة من حصى الكلى ومشكلات المسالك البولية، في ظل ظروف معيشية قاسية تجعل المرضى أكثر عرضة للمضاعفات، بينما يواجه القطاع الصحي نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية.

ويحذر الطبيب من أن المريض الذي لا يحصل على العلاج في الوقت المناسب قد تتفاقم حالته، إذ يمكن للالتهابات غير المعالجة أن تتطور إلى مضاعفات خطيرة، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة.

ويقول الهمص لصحيفة "فلسطين": إن أزمة الحصار لا تضرب قطاعًا صحيًا واحدًا، بل تمس مختلف أنواع الرعاية الطبية، موضحًا أن مرضى ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب والكبد والكلى يحتاجون إلى متابعة شهرية وأدوية منتظمة، في وقت لا تغطي فيه الكميات التي تصل عبر المعابر سوى نسبة محدودة من الاحتياجات الفعلية.

وبحسب الطبيب، فإن المستشفى يقدم خدماته يوميًا لنحو ألف إلى 1500 مريض، يتوزعون بين عيادات الأمراض الجلدية والمسالك البولية والباطنية والأطفال، إضافة إلى الحالات الحادة والمعدية والمزمنة، في وقت يؤدي نقص الأدوية والمستلزمات إلى تأخير التشخيص والعلاج، وزيادة احتمالات حدوث المضاعفات.

وتتسع دائرة المخاطر الصحية داخل المخيمات لتشمل الأمراض الجلدية، والجرب، والجدري المائي، ولدغات الحشرات، فضلًا عن حالات الإسهال المائي، في ظل ارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ وصعوبة توفير المياه ومواد النظافة.

ويشير الهمص إلى تسجيل حالات مشتبه بإصابتها بالتهاب السحايا، أو ما يعرف بالحمى الشوكية، مؤكدًا أن هذه الحالات تحتاج إلى فحوصات متخصصة للتأكد من التشخيص، وقد يتم تحويلها إلى مجمع ناصر الطبي لإجراء الفحوصات اللازمة، ومنها البزل القطني، قبل بدء العلاج.

ويحذر الطبيب من أن استمرار الظروف الحالية قد يحول كل خيمة إلى بؤرة محتملة لانتقال العدوى، إذ إن المريض غير المعالج قد ينقل المرض إلى أفراد أسرته، ومن ثم إلى الخيام المجاورة والمخيم بأكمله.

ويختصر الهمص المشهد الصحي في غزة بالقول إن السكان يواجهون خطرين متوازيين؛ موتًا سريعًا نتيجة القصف، وموتًا بطيئًا تسببه الأمراض المزمنة والمعدية ونقص الأدوية والمياه النظيفة.

ويؤكد أن إنقاذ الوضع الصحي يتطلب إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد النظافة، إلى جانب توفير المياه الصالحة للشرب، محذرًا من أن استمرار النقص في هذه الاحتياجات الأساسية سيؤدي إلى مزيد من الإصابات والمضاعفات، في وقت تكافح فيه المستشفيات والعيادات الميدانية لتقديم الرعاية لأعداد متزايدة من المرضى بإمكانات محدودة.

في مواصي خانيونس، أصبح البحث عن الماء جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للنازحين، لكن المعاناة لا تنتهي عند الحصول عليه؛ فغيابه أو عدم صلاحيته يفتح الباب أمام أمراض تزيد من أعباء حياة أنهكتها الحرب.

اخبار ذات صلة