قائمة الموقع

المستوطنون.. رأس حربة حكومة الاحتلال لفرض التهجير القسري في الضفة

2026-07-29T09:36:00+03:00
مستوطنون يعتدون على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة (أرشيف)
فلسطين أون لاين

تشهد الضفة الغربية في المدة الأخيرة موجة غير مسبوقة من تصاعد اعتداءات المستوطنين التي تحولت إلى سياسة ممنهجة تحظى بغطاء سياسي وأمني كامل من حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة.

ولم تعد هذه الهجمات تقتصر على تخريب الممتلكات أو حرق الأشجار، بل باتت تستهدف الوجود الفلسطيني المادي في القرى والبلدات، وسط دعم حكومي إسرائيلي لتوفير البيئة الحاضنة والحماية القانونية لهؤلاء المعتدين، في مسعى لترسيخ واقع استيطاني جديد يقوض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقبلاً.

وسجل النصف الأول من عام 2026 ذروة قياسية في الانتهاكات، حيث نفذت قوات الاحتلال وميليشيات المستوطنين أكثر من 11,074 اعتداءً. وشملت هذه الاعتداءات إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة، تركز معظمها في المناطق المصنفة "ج"، بهدف عزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض.

وفي محافظة نابلس، وتحديداً في قرية تل، شهدت الأيام الماضية تصعيداً دامياً، حيث هاجم عشرات المستوطنين المسلحين القرية تحت حماية جنود الاحتلال، مما أدى إلى اندلاع مواجهات عنيفة أسفرت عن 5 شهداء وإصابات واعتقالات جماعية طالت أكثر من 80 مواطناً.

وتؤكد مصادر محلية أن هذه الهجمات تأتي بتشجيع علني من وزراء متطرفين مثل "بتسلئيل سموتريتش" و"إيتمار بن غفير"، اللذين يدفعان نحو تسليح المستوطنين وشرعنة البؤر الرعوية التي تعمل كأداة للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الرعوية والزراعية الفلسطينية.

تبادل أدوار

من جهته، يقول منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان في شمال الضفة الغربية، جمال جمعة، لصحيفة "فلسطين": إن ما يجري اليوم ليس مجرد اعتداءات عشوائية، بل هو "حرب استنزاف منظمة" تهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو ما يسمى إسرائيليا "الرحيل الطوعي".

ويضيف: "إن ما نشهده في قرى نابلس، وخاصة في قرية تل وبورين وقصرة، هو ترجمة ميدانية لقرار سياسي اتخذ في أروقة حكومة الاحتلال لتصفية الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة (ج). إن هذه الاعتداءات لم تعد تتم في جنح الظلام، بل تجري في وضح النهار وبمشاركة فعالة من جنود الاحتلال الذين يوفرون الغطاء الناري للمستوطنين، بل ويقومون باعتقال الضحية إذا ما حاولت الدفاع عن نفسها.

ويؤكد أن المواطنين في الضفة الغربية "أمام ميليشيات مسلحة باتت تمثل الذراع العسكري غير الرسمي لدولة الاحتلال، حيث يتم تبادل الأدوار بدقة، المستوطن يحرق ويخرب، والجندي يحمي ويؤمن الانسحاب، والقانون الإسرائيلي يضمن الإفلات التام من العقاب".

ويضيف جمعة: "الهدف السياسي من وراء هذه الاستمرارية في العدوان هو تحويل حياة الفلسطيني إلى جحيم لا يطاق، لدفعه إلى ترك أرضه (بما يسمى) طواعية بعد أن فقد الأمن على حياته وممتلكاته. إنهم يريدون تحويل القرى الفلسطينية إلى معازل محاصرة بالبؤر الرعوية والمستوطنات، لتمزيق النسيج الجغرافي للضفة الغربية بالكامل".

ويحذر من أن "هذا الصمت الدولي المريب يغذي شهية التطرف الإسرائيلي، فالمستوطن الذي يرى وزيره يوزع عليه السلاح ويعده بالحصانة، لن يتردد في إطلاق النار على المزارع الفلسطيني في أرضه".

ويستخدم مسؤولو الاحتلال مصطلح "الهجرة الطوعية" لتضليل الرأي العام العالمي إزاء مخططات التهجير القسري التي يسعون إلى تنفيذها. وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة، في مادتها 49، صراحة "عمليات النقل القسري الفردي أو الجماعي، وكذلك ترحيل الأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة".

سباق مع الزمن

من جانبه، يحذر الخبير والناشط في شؤون الاستيطان، عبد الهادي حنتش، من أن حكومة الاحتلال تسابق الزمن لفرض وقائع لا يمكن التراجع عنها على الأرض، مستغلة انشغال المجتمع الدولي بالأزمات الكبرى وحروب المنطقة. وفي حديث مفصل حول مخاطر التوسع الاستيطاني.

ويقول حنتش لصحيفة "فلسطين": "تعمل الماكنة الاستيطانية الإسرائيلية اليوم وفق استراتيجية 'اقتناص الفرص الذهبية'، حيث تجد في انشغال العالم بالحروب الإقليمية وقضايا الطاقة والانتخابات الدولية غطاءً مثالياً لتنفيذ أضخم عملية مصادرة للأراضي منذ عام 1967".

ويضيف أن ما يجري في الضفة الغربية هو "عملية ضم فعلية صامتة"، حيث يتم تحويل آلاف الدونمات من أراضي المواطنين إلى ما يسمى "أراضي دولة" بقرار إداري بسيط، ثم تُسلم للمستوطنين لبناء بؤر رعوية تسيطر على محيطها بالنار والترهيب.

ويشير إلى أن الاحتلال "يدرك أن العالم يكتفي ببيانات القلق والشجب، ولذلك فهو يضرب بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية، معتبراً أن هذه المرحلة هي الأنسب لإنهاء حلم الدولة الفلسطينية للأبد".

ويتابع حنتش: "المخاوف من توسع هذه الاعتداءات ليست مجرد توقعات، بل هي واقع نعيشه يومياً، فالمستوطنون باتوا يمتلكون صلاحيات شبه عسكرية، وهم يستهدفون تدمير الاقتصاد الزراعي الفلسطيني عبر حرق الزيتون وتخريب شبكات المياه، لإفقار المزارع وكسر إرادته".

ويوضح أن حكومة نتنياهو-سموتريتش "تستغل حالة الصمم العالمي لترسيخ سيادتها على الجبال والتلال الحيوية، وهي تسعى لتحويل الضفة إلى 'كانتونات' مقطعة الأوصال، حيث ينمو الاستيطان كمرض سرطاني يلتهم الجسد الفلسطيني".

وينبه حنتش إلى أننا "أمام مخطط استراتيجي يهدف إلى تغيير الديموغرافيا والجغرافيا بشكل جذري، وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لفرض عقوبات حقيقية ورادعة على منظومة الاستيطان، فإننا سنستيقظ على واقع تكون فيه الضفة الغربية مجرد ضواحي للمستوطنات الكبرى".

وبينما تتسع دائرة اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، تتكشف ملامح سياسة تهدف إلى فرض التهجير تحت ضغط الخوف وفقدان الأمان، عبر تغيير الواقع على الأرض وتفتيت التجمعات الفلسطينية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن استمرار الصمت الدولي يمنح هذه المخططات مزيداً من التمدد.

اخبار ذات صلة