قال المدير العام لمؤسسة الحق شعوان جبارين، إن قرار عزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، يشكل سابقة خطيرة تمس استقلال القضاء الدولي، ويرسل رسالة مقلقة بشأن قدرة الضغوط السياسية على التأثير في عمل المحكمة.
وأضاف جبارين لصحيفة "فلسطين"، أن قرار العزل جاء بعد إصدارها مذكرتي اعتقال بحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وصوتت 82 دولة عضوا في المحكمة الجنائية الدولية لصالح عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان، على خلفية اتهامه بارتكاب "سلوك جنسي غير لائق".
وجرى التصويت على عزله، الجمعة الماضية، في اقتراع سري خلال اجتماع جمعية الدول الأعضاء في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
حملة ممنهجة
وأضاف جبارين: أن ما جرى لم يكن مفاجئًا، بل جاء بعد حملة سياسية وإعلامية واسعة بدأت منذ اللحظة التي أعلن فيها كريم خان، سعيه لاستصدار مذكرتي الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت، مؤكدًا أن الولايات المتحدة و(إسرائيل) أعلنتا صراحة رفضهما لهذه الخطوة، وترافق ذلك مع تهديدات وضغوط استهدفت المدعي العام والمحكمة نفسها.
وأشار إلى أن الحملة لم تقتصر على التصريحات السياسية، بل امتدت إلى رسائل وتحركات داخل الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي، تضمنت تحذيرات من أن المضي في ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين ستكون له تبعات على المحكمة وقيادتها، معتبرًا أن هذه الضغوط تثير تساؤلات جدية حول الخلفيات التي رافقت قرار العزل.
وتابع: أن الاتهامات المتعلقة بـ"السلوك الجنسي غير اللائق" لم تظهر إلا بعد إصدار مذكرتي الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت، وهو ما يثير شكوكًا حول وجود حملة سياسية هدفت إلى إقصاء المدعي العام أكثر من كونها استجابة لإجراءات قانونية مجردة.
وذكر أن نظام المحكمة الجنائية الدولية يتضمن آليات وإجراءات واضحة للتعامل مع مثل هذه الادعاءات، وأن تجاوز تلك الإجراءات يثير مخاوف قانونية بشأن سلامة القرار.
وأوضح أن كريم خان، انتخب لولاية تمتد لتسع سنوات، وأن عزله يجب أن يتم وفق الأصول القانونية المنصوص عليها في نظام المحكمة، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو ضغوط خارجية.
وأكد أن لجنة التحقيق التي شُكلت للنظر في الادعاءات أعدت تقريرًا موسعًا، إلا أنه لم يصل إلى نتيجة حاسمة تثبت ارتكاب خان، مخالفة ترقى إلى مستوى الإدانة أو تثبت بصورة قاطعة مزاعم التحرش الجنسي.
وأشار جبارين، إلى أن المجلس الإداري للمحكمة، الذي يضم ممثلين عن الدول الأعضاء، أوصى بعرض التقرير على لجنة استشارية من قضاة مستقلين، موضحًا أن هؤلاء القضاة، ومن بينهم شخصيات قضائية معروفة من عدة دول، درسوا التقرير ولم يتوصلوا إلى قناعة نهائية تثبت الاتهامات بصورة قاطعة.
وأردف بالقول: إن صاحبة الادعاء لم تتقدم بشكوى مباشرة أمام الجهات المختصة في المحكمة، في حين أن إثارة القضية جاءت من خلال شخص أمريكي كان يعمل سابقًا مساعدًا للمدعي العام، وهو ما يزيد من علامات الاستفهام حول توقيت القضية وسياقها.
وأشار إلى أن مؤسسات حقوقية، من بينها مؤسسة الحق، خاطبت عددًا من الدول الأعضاء في المحكمة، مطالبة بعدم تجاوز النصوص القانونية المنظمة لعزل المدعي العام، وضرورة الالتزام بالإجراءات المنصوص عليها في النظام الأساسي للمحكمة، حفاظًا على استقلالها ومصداقيتها.
تجاذبات سياسية
وحذر جبارين، من أن إخضاع المحكمة للتجاذبات السياسية من شأنه أن يقوض ثقة الضحايا والمجتمع الدولي بمنظومة العدالة الدولية، مؤكدًا أن المحكمة أنشئت لتكون مستقلة عن الضغوط السياسية، وأن أي تدخل من هذا النوع يهدد دورها في ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية.
وأضاف: أن الولايات المتحدة مارست ضغوطًا دبلوماسية على عدد من الدول الأعضاء للتصويت لصالح عزل كريم خان، مشيرًا إلى أن (إسرائيل) كثفت كذلك اتصالاتها الدبلوماسية خلال الأيام التي سبقت التصويت، بهدف حشد أكبر عدد ممكن من الأصوات المؤيدة للعزل أو دفع بعض الدول إلى الامتناع عن التصويت.
وأوضح أن هذه التطورات جاءت بعد أشهر من تعرض المحكمة وطاقم الادعاء لعقوبات وإجراءات أمريكية، على خلفية إصدار مذكرتي الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت، معتبرًا أن ذلك يعزز الانطباع بوجود محاولة لمعاقبة المحكمة بسبب مباشرتها التحقيق في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية.
منظومة العدالة
وأشار جبارين، إلى أن بعض العاملين في المحكمة أبلغوا مؤسسات حقوقية بوجود مخاوف من أن تؤثر هذه التطورات على مسار الملف الفلسطيني داخل المحكمة، معتبرًا أن ذلك يثير القلق بشأن مستقبل التحقيقات وإمكانية استمرارها بعيدًا عن الضغوط السياسية.
وتساءل عما إذا كانت محاولات عزل المدعي العام للمحكمة، ستكون بداية لتحركات أوسع تستهدف التشكيك في مذكرات الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو وغالانت أو تعطيل تنفيذها، محذرًا من أن استمرار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية قد ينعكس سلبًا على منظومة العدالة الدولية بأكملها.
وأكد أن القضية لا تتعلق بشخص كريم خان، بقدر ما تتعلق باستقلال المحكمة الجنائية الدولية، موضحًا أن أي سابقة تسمح بإبعاد المدعي العام تحت وطأة الضغوط السياسية قد تفتح الباب أمام التأثير في عمل المحكمة مستقبلاً، خصوصًا في القضايا ذات الحساسية السياسية.
وشدد جبارين، على أن التحقيق في أي ادعاءات يجب أن يتم بصورة مستقلة ونزيهة وشفافة، وفق الإجراءات القانونية المعتمدة، بعيدًا عن التسييس أو استغلال الاتهامات لتصفية الحسابات مع المدعين أو القضاة الذين يتولون ملفات تتعلق بجرائم الحرب.
ودعا الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى حماية استقلال المؤسسة القضائية الدولية، وضمان استمرار التحقيقات الخاصة بالحالة الفلسطينية دون تعطيل أو تراجع، وعدم السماح لأي اعتبارات سياسية بالتأثير على اختيار قيادة الادعاء أو مسار القضايا المنظورة أمام المحكمة.
وختم جبارين، بالتأكيد أن حقوق الضحايا الفلسطينيين تقتضي استمرار ملاحقة جميع المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأن تحقيق العدالة يجب أن يبقى بمنأى عن الضغوط السياسية، بما يضمن عدم إفلات أي مسؤول من المساءلة القانونية الدولية.