تواجه شركات الإنتاج والتوريد في الضفة الغربية خسائر متصاعدة نتيجة قرار إسرائيلي يمنع إدخال المنتجات التي تحمل وسمًا فلسطينيًا إلى قطاع غزة، سواء كانت مصنّعة محليًا أو مستوردة عبر شركات فلسطينية.
ويأتي القرار في وقت يعاني فيه الاقتصاد الفلسطيني أصلًا تراجعا حادا في النشاط التجاري وارتفاع معدلات البطالة، ما يجعل من إغلاق سوق غزة أمام منتجات الضفة ضربة إضافية للقطاع الخاص.
تقول شركة تعمل موزعا رئيسا وحصريا لمنتجات غذائية تشمل زيت الزيتون والسكر والأرز، إنها تلقت منذ بداية العام الجاري إخطارًا يفيد بمنع إدخال أي منتجات تحمل صفة “منتج فلسطيني”.
وتوضح الشركة، لصحيفة "فلسطين"، أنها تلقت بتاريخ 11 أبريل المنصرم تواصلًا من جمعية أهلية أفادت بالحصول على “استثناء جزئي” يسمح بإدخال شحنة محدودة من زيت الزيتون إلى قطاع غزة من إنتاج الشركة.
وتضيف: “تم تجهيز الشحنة بالتنسيق مع الشركة المصنّعة في نابلس، ونُقلت البضاعة إلى الجانب الإسرائيلي تمهيدًا لإدخالها عبر (حاجز) كرم أبو سالم، حيث خضعت للتفتيش واستُكملت كافة الإجراءات القانونية والأوراق الثبوتية”.
لكن، وبحسب الشركة، لم يُسمح بإدخال الشحنة في نهاية المطاف، رغم استيفائها جميع المتطلبات، ما أدى إلى تكبّد خسائر مباشرة وتكاليف نقل وتخزين إضافية، فضلًا عن تعطّل التزامات تجارية مع شركاء داخل قطاع غزة.
ويؤكد ممثلو شركات في الضفة الغربية أن سوق غزة كان يشكّل منفذًا حيويًا لتصريف المنتجات، خاصة في القطاعات الغذائية والاستهلاكية، وأن إغلاقه أدى إلى تراكم المخزون داخل المستودعات وانخفاض المبيعات بشكل ملحوظ وتراجع الإنتاج في بعض المصانع وضغوط مالية قد تدفع إلى تقليص العمالة.
كما يشيرون إلى أن السوق المحلية في الضفة نفسها تعاني ضعف القوة الشرائية، مع استمرار القيود الاقتصادية وغياب السيولة، ما يضاعف من أثر الخسائر.
غياب البديل الفلسطيني
في المقابل، يرى تجار أن القرار يفتح المجال أمام المنتجات الإسرائيلية للدخول إلى أسواق قطاع غزة، ما يمنحها أفضلية تنافسية شبه كاملة، خاصة في ظل غياب البديل الفلسطيني.
من جهته يؤكد الباحث في إدارة المخاطر والأزمات والاقتصاد، أنور محمد عطا الله، أن القرار الإسرائيلي بمنع دخول منتجات الضفة الغربية إلى أسواق قطاع غزة يشكل انتكاسة خطيرة للاقتصاد الفلسطيني، لما يحمله من تداعيات اقتصادية ومالية عميقة تمسّ مختلف مكونات الاقتصاد الوطني.
ويوضح عطا الله لصحيفة "فلسطين" أن الاقتصاد الفلسطيني لم يكن يومًا قائمًا على الجغرافيا وحدها، بل تأسس على وحدة السوق بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث شكّلا معًا منظومة اقتصادية متكاملة يقوم فيها الإنتاج والتجارة والاستثمار على علاقات مترابطة، نجح القطاع الخاص الفلسطيني على مدار عقود في بنائها وتعزيزها رغم التحديات السياسية والأمنية.
ويشير إلى أن التكامل لم يكن وليد جهود القطاع الخاص فقط، بل حظي بدعم مؤسسات اقتصادية وطنية لعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على وحدة السوق، من بينها الغرف التجارية والصناعية، وجمعية رجال الأعمال الفلسطينيين، ومركز التجارة الفلسطيني (بال تريد)، واتحادات الصناعات، وغيرها من المؤسسات التي أسهمت في تعزيز الثقة وتنشيط الحركة التجارية وترسيخ الحضور الاقتصادي الفلسطيني في المحافل الدولية.
ويضيف عطا الله أن القرار الإسرائيلي الأخير لا يمكن النظر إليه كإجراء تجاري عابر، بل يعكس توجّهًا استراتيجيًا أعمق يهدف إلى إعادة توجيه سوق قطاع غزة قسرًا نحو المنتجات الإسرائيلية، بما يعزز مبيعات الشركات الإسرائيلية، ويكرّس تبعية الاقتصاد الفلسطيني، ويقوّض فرص بناء اقتصاد وطني متكامل ومستقل.
ويبيّن أن تداعيات القرار لا تقتصر على تعطيل حركة التجارة بين الضفة وغزة، بل تمتد إلى آثار مالية مباشرة على المالية العامة الفلسطينية.
فوفقًا لبروتوكول باريس الاقتصادي، تُحوَّل الرسوم الجمركية والضرائب إلى السلطة الفلسطينية على البضائع المستوردة عبر المعابر الخاضعة للاحتلال عندما تكون مسجلة باسم مستورد فلسطيني، وبالتالي فإن منع توريد هذه البضائع إلى غزة سيؤدي إلى تراجع الإيرادات المحوّلة للخزينة، في وقت تعاني فيه أصلًا من ضغوط شديدة بسبب اقتطاعات أموال المقاصة.
ويؤكد عطا الله أن التراجع في الإيرادات سيزيد من الأزمة المالية، ويضعف قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها، سواء من حيث دفع الرواتب أو تمويل الخدمات العامة، ما سينعكس سلبًا على مستويات الإنفاق الحكومي والطلب الكلي والنشاط الاقتصادي.
وفيما يتعلق بالقطاع الخاص، يوضح أن الشركات والمصانع في الضفة الغربية تواجه تحديًا غير مسبوق، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تتسم بارتفاع البطالة نتيجة توقف أعداد كبيرة من العمال عن العمل داخل المحتل، إلى جانب تراجع القوة الشرائية وانخفاض السيولة في الأسواق.
ويضيف أن إغلاق سوق غزة سيؤدي إلى انخفاض المبيعات والإنتاج، وتراكم المخزون، وتعثر المنشآت الاقتصادية، وربما إغلاق بعضها وتسريح العمال، ما يفاقم معدلات البطالة والفقر.
ويشير عطا الله إلى أن خسارة سوق بحجم قطاع غزة لا تمثل مجرد خسارة تجارية، بل تعني فقدان أحد أهم المحركات الداخلية للاقتصاد الفلسطيني، حيث تمتد آثارها إلى الموردين وشركات النقل والمخازن والمصارف وشركات التأمين، ما يوسّع دائرة الركود ويعمّق الأزمة الاقتصادية.
كما يحذّر عطا الله من أن فرض الاعتماد شبه الكامل على المنتجات الإسرائيلية داخل قطاع غزة سيؤدي إلى إضعاف المنافسة، ومنح المورد الإسرائيلي قدرة أكبر على التحكم في الأسعار والكميات، بما يعزز مظاهر الاحتكار ويزيد من الهيمنة على السوق الفلسطينية.
وينبه إلى أن المواطن الفلسطيني سيكون المتضرر الأكبر من هذه السياسات، نتيجة ارتفاع الأسعار، وتراجع الخيارات المتاحة، واستمرار تسرب الأموال الفلسطينية إلى خارج الاقتصاد الوطني بدلًا من إعادة تدويرها داخليًا.
ويؤكد أن استمرار الإجراءات يهدد ما تبقى من وحدة السوق الفلسطينية، التي شكّلت على مدار سنوات ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، داعيًا إلى تحرك جاد لحماية التكامل الاقتصادي بين الضفة الغربية وقطاع غزة والحفاظ على مقومات الصمود الاقتصادي الفلسطيني.

