قائمة الموقع

في موسم التوجيهي.. حضر الحلم وغابت ليان

2026-07-27T13:30:00+03:00
الطالبة ليان الجماصي
فلسطين أون لاين

بينما ملأ صخب الاحتفال بنتائج الثانوية العامة الأرجاء، كان مقعد ليان الجماصي فارغا. تلك الفتاة ذات الـ16 عامًا سبقت أوانها ودَرَّستْ أطفالاً في مخيمات النزوح، اغتال الاحتلال حلمها.

قبل نحو عام وأربعة أشهر، رسمت لأهلها مشهد احتفالها المنتظر بالتفوق في "التوجيهي"؛ أين ستجلس؟ كيف ستُلتقط لها الصور؟ من سيشاركها فرحة اجتياز محطة مفصلية نحو مستقبلها؟ "كانت تعيش لحظة التخرج كما لو تحققت فعلا". تقول خالتها آلاء.

في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، اجتمعت ليان مع أسرتها في يناير/كانون الثاني 2024 بعد تشريد قسري طال أمده. أجبرتها كثافة النيران الإسرائيلية وجرائم الإبادة الجماعية على النزوح مع والدتها وأخيها الأصغر وبعض أقربائهم إلى جنوب قطاع غزة، في حين بقي أفراد الأسرة الآخرون في شماله.

"عدّت ليان الليالي والأيام للقاء ذويها في مدينة غزة منذ أن نزحت في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكان يوم عودتها هو الأصعب في حياتها"، تقول آلاء، لصحيفة "فلسطين"، مستعيدة اللحظة التي عرقل بها الاحتلال عودة النازحين يومًا كاملاً آنذاك بعكس ما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار.

مع بدء زحف النازحين مشيا على الأقدام باتجاه شمال قطاع غزة، كانت ليان، التي لم تنم ليلتها، في طليعة العائدين عند السادسة صباحًا. في أثناء سيرها، صرخت: "نور... نور"، عندما التقت أخاها الذي افترقت عنه قسرًا. خطف هذا المشهد أنظار الجميع، وتحول إلى "تريند" في مواقع التواصل الاجتماعي، لأخوين يجسدان حكاية وجع جماعي تحت وطأة الحرب.

خمسة أشهر لم تطفئ شوق ليان لأسرتها. اجتمعت خلالها معهم علها تستعيد شيئًا من ذكرياتها، رغم التجويع والتهديد والوعيد الإسرائيلي للأهالي في غزة. لكن في لحظة واحدة تغير كل شيء.


 

في 18 مارس/آذار 2025، خلال شهر رمضان، أصابت ثاني الغارات الإسرائيلية التي خرقت اتفاق وقف إطلاق النار، المنزل الذي تقيم فيه ليان مع أسرتها قبل تناولهم وجبة السحور. سلبت تلك الغارة حياة ليان، ومعها والدها محمد الجماصي، ووالدتها نسرين عبده، وأخواها عمر وعبيدة وزوجته ملك وطفلاهما سوار (4 أعوام) ومحمد (14 شهرًا).

بات جميعهم تحت الركام، في مجزرة إبادة جماعية مثلت مشهدًا "روتينيا" في غزة، في خضم الحرب التي قتلت 21 ألفًا و500 طفل ومسحت 2700 أسرة بالكامل من السجل المدني. لكن آلاء تقول، الاحتلال لم يكتف بذلك. بضعة أشهر مضت، واستشهد أيضًا نور (21 عاما) شقيق ليان.

فتاة استثنائية

بعد سنة وأربعة أشهر، نكأت نتائج الثانوية العامة التي أُعلنت يوم الجمعة الماضي، جراح ذوي ليان التي كان من المفترض أن تتخرج من التوجيهي. تلك الفتاة التي كانت تحلم في دراسة التربية، أو علم النفس، تطوعت خلال نزوحها في تدريس الأطفال المجاورين لها، وانتشلتهم من واقع التجهيل، إلى التماس طريق العلم.

تعود آلاء بذاكرتها إلى أحداث لا تنساها في حياة ليان: "كنا نازحين في أرض، جمعت الأطفال هناك لتدرسهم وتحفظهم القرآن يوميا حتى بات الأطفال المحيطين يحضرون أيضًا للاستفادة من الدروس". وعندما حققت بصمة لافتة في جذبها الطلبة إلى التعليم، باتت معلمة في خيمة تعليمية للأطفال النازحين.

ارتبطت ليان بالتدريس مبكرًا، ولا تزال مواقفها تلمع في ذاكرة خالتها الصيدلانية. تروي: "قبل الامتحانات، كانت ليان تنتظر اتصالات زميلاتها لتشرح لهن المنهاج. عام 2023 كانت تدرس في الصف التاسع، حضرت إليّ لأُبسّط لها بعض المعلومات. استغرق ذلك ساعة، لم تنتظر بعدها كثيرًا، كانت في عجلة من أمرها للمغادرة لتبدأ في مساعدة زميلاتها".


 

ليان التي تصفها خالتها بأنها "ذكية جدًا" كانت تحصد معدلات لا تقل عن 98% في مختلف مراحلها الدراسية، ولم تتوقف عند هذا الحد. تذكر، أن ليان اللاجئة والطالبة في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين أونروا، كانت يوما في درس رياضيات، لكنها لم تقتنع بصحة إجابة المعلمة عن أحد الأسئلة، وأخبرتها بعدم صوابها. لم يرق ذلك للمعلمة، لكن ليان لم تيأس وتثبتت من صحة موقفها بعد مراجعة معلمة أخرى.

ولا تزال معلمة اللغة الإنجليزية التي رافقت ليان في محطة النزوح في جنوب القطاع، على وقع صدمة رحيلها. فقد كبرت علاقاتها بمعلماتها بما حظيت به من فطنة سبقت سنها. تقول آلاء: "أذكر أني التقيت معلمتها لمساق اللغة العربية عندما كانت تدرس في الصف الثاني الابتدائي، وخلال حديثي معها عرفت أنني خالتها، وقالت لي: كنت أتمنى أن أقابل أحد أقرباء ليان، لأنها شخصية عبقرية".

وعندما عادت ليان من جنوب القطاع، صبت اهتمامها على الدراسة وحاولت تعويض الفاقد التعليمي. كان ذلك هو ما يشغلها كطفلة.

"التالتة نابتة"

كانت صورة ليان ترتسم في عينيّ الجدة نهلة عبده وهي تهنِّئ جيرانها بنتائج الثانوية العامة. كأنها تتطاير أمامها من الفرح بتحقق حلمها في التخرج من التوجيهي.

استفاقت الجدة (69 عاما) عندما انهمرت دموعها. ليان لم تحقق حلمها. دار بـ"أم رامي" شريط الأحداث سريعًا وخنقتها التفاصيل، كأنها تلقت نبأ القصف لتوها لا قبل أكثر من سنة.

تقطع الجدة الحديث، لتدلي ببعض ما يعصف بذهنها عن نجاة ليان مرتين من الموت. "في المرة الأولى كانت بدها تزور مع ابنة خالتها صديقتها في منطقة مجاورة لخيمة النزوح... المنزل الذي تواجدت فيه انقصف واستشهد صاحبه وطلعت ليان وبنت خالتها بأعجوبة".

أما النجاة الثانية، فترويها آلاء: "كنا في سوق النصيرات... ضربوا مبنى كانت هي على بابه... ابن عمها ساكن بذات الشارع كان شايفها صار ينادي عليها ويقول ليان مش مبينة... فجأة لقيناها كلها غبرة".

مازحتها خالتها آنذاك: "خلاص التالتة نابتة مش معقول تنفدي منها"، وهو ما تحقق فعلا.

لم تتوقع ليان أن تستشهد. كانت تحب الحياة والألوان والفضاء والتنزه واختيار الملابس بعناية، تقول آلاء بأسى.


 

يوم الجمعة، مر ثقيلا على أقرباء ليان وفي مقدمتهم جدتها. "كانت ليان تستنى هدا اليوم... واحنا بنستناه عشانها وبس... طول الوقت كانت تتخيل وين رح تقعد وكيف رح نصورها".

كانت ليان أنموذجا للفتاة المفعمة بالنشاط، القادرة على تحقيق أعلى المعدلات في الثانوية العامة.

لو أن باستطاعة ليان أن تعود إلى الحياة لوهلة لتتحدث إلى العالم، كانت ستنتقد "ظلمه، وخذلانه"، كما تقول جدتها.

لن تعود ليان لتحصد نتيجة الثانوية العامة، لكن حلمها سيبقى شاهدًا على حكايتها، وستبقى دموع جدتها تستحضرها كلما جاء موسم التوجيهي.

اخبار ذات صلة