في خطوة أثارت موجة واسعة من التحذيرات الحقوقية، كشفت وسائل إعلام عبرية عن شروع سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ مشروع جديد داخل سجن "النقب"، يقوم على حفر قنوات مخصصة للتماسيح حول أحد أقسام السجن، في إطار ما أطلقت عليه وسائل الإعلام العبرية اسم "سجن التماسيح".
ويأتي هذا التطور مع تصاعد الجرائم بحق الأسرى ومع استمرار سياسات تنتهجها إدارة السجون من أعلى المستويات، تهدف إلى زيادة معاناتهم الجسدية والنفسية، بعيدًا عن أبسط المعايير الإنسانية التي كفلها القانون الدولي.
ويرى مختصون في شؤون الأسرى وخبراء قانونيون أن المشروع، في حال تنفيذه، يمثل مستوى جديدًا من سياسات الترهيب والعزل النفسي، ويعكس توجهًا نحو استخدام وسائل غير مسبوقة لإحكام السيطرة على الأسرى، في وقت تتواصل فيه المطالبات الدولية بفتح السجون أمام لجان الرقابة المستقلة، والتحقيق في الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون.
وكشفت وسائل إعلام عبرية، من بينها موقع "واينت"، أن سلطات الاحتلال بدأت في أعمال حفر قناة بطول يقارب 170 مترًا داخل سجن "كتسيعوت" في صحراء النقب، تحيط بأحد الأقسام الخاصة التي يُعتقد أنها تضم أسرى فلسطينيين تصفهم سلطات الاحتلال بأسرى "النخبة".
وأشار الموقع، إلى أن القناة لا يمكن رؤيتها من خارج السجن، في حين لا يزال مصير جلب التماسيح إليها غير مؤكد، بالرغم من استمرار الاستعدادات لتنفيذ المشروع.
تصعيد خطير
وقال مدير فريق نبراس الوفاء لشؤون الأسرى والمحررين، مصعب مدوخ: إن الحديث عن المشروع بدأ يتداول في وسائل الإعلام العبرية خلال الفترة الماضية، قبل أن تتكشف معلومات تشير إلى بدء تنفيذ أعمال الحفر داخل أحد أقسام سجن "النقب".
وأوضح مدوخ، لصحيفة "فلسطين" أن المعلومات المتوفرة حتى الآن تشير إلى أن القسم المستهدف يضم أسرى من غزة، مؤكدًا أن المشروع، إن نُفذ يمثل تصعيدًا خطيرًا في سياسة التنكيل والعزل التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين.
وأضاف: أن الأسرى يعيشون أصلًا أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة، تشمل الحرمان من الغذاء الكافي والعلاج والملابس والزيارات، إلى جانب الاعتداءات المتكررة والعزل، مشيرًا إلى أن استحداث مثل هذه المشاريع من شأنه مضاعفة الضغوط النفسية والمعيشية عليهم.
وطالب مدوخ، المجتمع الدولي والأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية المختصة بالأسرى باتخاذ موقف عملي تجاه ما يجري داخل السجون، والعمل على إجراء زيارات عاجلة للتحقق من أوضاع المعتقلين، وضمان تطبيق أحكام القانون الدولي والاتفاقيات الخاصة بحماية الأسرى، إضافة إلى ممارسة الدول الوسيطة لاتفاق وقف اطلاق النار، دورًا أكبر في ملف الإفراج عن الأسرى.
مخالفة دولية
من جانبه، قال المحامي والناشط الحقوقي في مركز حماية لحقوق الإنسان رائد البرش: إن قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان تقوم على مبدأ أساسي يتمثل في المعاملة الإنسانية للأسرى والمعتقلين في جميع الظروف، وهو مبدأ نصت عليه اتفاقيات "جنيف" والقواعد الدولية المتعلقة بحماية الأشخاص المحرومين من حريتهم.
وأوضح البرش، لصحيفة "فلسطين" أن هذه القواعد تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وتحظر الإهانة والحط من الكرامة الإنسانية.
وأشار إلى أن إحاطة الأسرى ببيئة تضم حيوانات مفترسة، أو التهديد بذلك، يمكن اعتباره وسيلة ترهيب نفسي شديدة، ومعاملة مهينة تمس الكرامة الإنسانية، وهو ما قد يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، ويرقى إلى مستوى الجرائم الدولية التي تستوجب المساءلة وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما يشمل المسؤولين عن إصدار مثل هذه القرارات أو تنفيذها.
وأضاف البرش: المشروع يحمل رسائل سياسية ونفسية تتجاوز الادعاءات الأمنية، إذ تسعى حكومة الاحتلال إلى ترسيخ سياسة الردع والترهيب، وإظهار قدرتها على التحكم الكامل بحياة الأسرى والبيئة المحيطة بهم، في محاولة لتحويلهم إلى أدوات للضغط السياسي، بدلًا من التعامل معهم كأشخاص يتمتعون بحقوق تكفلها المواثيق الدولية.
ودعا البرش، إلى تحرك رسمي وحقوقي عاجل لمواجهة هذه السياسات، من خلال المطالبة بإرسال بعثات رقابة دولية إلى السجون، وتفعيل دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وإصدار مواقف قانونية واضحة تدين هذه الإجراءات، إلى جانب إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، ورفعه إلى آليات الأمم المتحدة المعنية بمناهضة التعذيب والاعتقال التعسفي وحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتواصل سلطات الاحتلال اعتقال نحو 9400 أسير، بينهم 99 أسيرة، وأكثر من 350 طفلاً، و3244 معتقلاً إداريًا، إضافة إلى آلاف المعتقلين من قطاع غزة، الذين لا يزال عدد كبير منهم رهن الاحتجاز القسري منذ اندلاع الحرب، وفق احصائيات رسمية.
وتؤكد مؤسسات تعنى بشؤون الأسرى، أن المعتقلين يواجهون أوضاعًا إنسانية قاسية، تشمل التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والعزل الانفرادي، فضلاً عن استشهاد عشرات الأسرى داخل سجون الاحتلال منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، في ظل مطالبات متواصلة بفتح تحقيقات دولية مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم.