لم يكن العدوان الأميركي على إيران مجرد عملية عسكرية محدودة تستهدف منشآت أو قدرات بعينها، بل جاء بوصفه تعبيرًا عن لحظة انتقال تاريخية تحاول فيها الولايات المتحدة إعادة هندسة المجال الجيوسياسي للشرق الأوسط بعد سنوات من تآكل الهيمنة الأميركية وصعود قوى إقليمية استطاعت أن تفرض نفسها لاعبًا مؤثرًا في معادلات الإقليم. فالحروب الكبرى لا تندلع عندما تريد الدول استخدام القوة فقط، بل عندما تسعى إلى إعادة تعريف النظام الذي يحكم توزيع القوة، ومن هنا فإن العدوان على إيران ينبغي أن يُقرأ باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لإعادة إنتاج الشرق الأوسط وفق قواعد مختلفة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
فالولايات المتحدة تدرك أن النظام الإقليمي الذي نشأ بعد الغزو الأميركي للعراق لم يعد قادرًا على حماية مصالحها كما كان في السابق، لذلك فإنها انتقلت من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية نفسها، عبر تقليص نفوذ القوى المنافسة وإعادة بناء منظومة تحالفات أكثر تماسكًا بقيادة واشنطن وتل أبيب. وهنا يصبح استهداف إيران ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية وفرض قواعد اشتباك جديدة.
إسرائيل، من جانبها، تنظر إلى هذه اللحظة باعتبارها فرصة تاريخية لتكريس تفوقها الاستراتيجي وتحويله إلى واقع سياسي دائم. فإضعاف إيران يعني، من وجهة النظر الإسرائيلية، تقليص قدرة أحد أبرز الخصوم الإقليميين على التأثير في المشهد الأمني، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام مشروع أوسع يقوم على جعل إسرائيل المركز الأمني والتكنولوجي والاقتصادي في الشرق الأوسط الجديد، بما يسمح لها بقيادة شبكة تحالفات تتجاوز حدود الصراع التقليدي.
غير أن ما يجري لا يقتصر على إعادة رسم موازين القوة بين الولايات المتحدة وإيران، فالمشهد يكشف أيضًا عن صعود تركيا باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر قدرة على ملء الفراغات التي تتركها التحولات الجارية. لقد نجحت أنقرة خلال السنوات الأخيرة في الانتقال من سياسة الدفاع عن المصالح إلى سياسة صناعة الوقائع الجيوسياسية، وهي لم تعد تكتفي بدور الوسيط أو الشريك، بل أصبحت تسعى إلى أن تكون أحد الأعمدة المؤسسة للنظام الإقليمي المقبل.
وتبرز سوريا، في هذا السياق، باعتبارها الحلقة الأكثر أهمية في الاستراتيجية التركية الجديدة. فمع تطور العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية بين أنقرة ودمشق، تتشكل معادلة مختلفة تقوم على المصالح المتبادلة وضبط الحدود وإعادة تنشيط الممرات التجارية وإعادة بناء العمق الجيوسياسي للبلدين. وإذا استمر هذا المسار، فإن التحالف التركي السوري قد يتحول إلى أحد أهم عناصر إعادة التوازن في المشرق العربي، ويمنح تركيا مساحة أوسع للحركة في مواجهة مشاريع الهيمنة الإقليمية.
هذا الصعود التركي لا ينبغي فهمه بوصفه بديلًا كاملًا للدور الإيراني، ولا منافسًا للدور العربي فقط، بل باعتباره محاولة لإنتاج مركز إقليمي يمتلك القدرة على الجمع بين القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي والشرعية السياسية. فأنقرة تدرك أن النظام الدولي الجديد يقوم على شبكات النفوذ، وليس على السيطرة المباشرة، ولذلك تعمل على بناء منظومة تحالفات تمتد من سورية إلى الخليج وآسيا الوسطى والبحر الأسود، بما يعزز موقعها كلاعب لا يمكن تجاوزه.
أما غزة، فإنها تبقى العقدة المركزية في كل هذه التحولات. *فالقضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف إنساني أو نزاع حدودي، بل أصبحت معيارًا لقياس طبيعة الشرق الأوسط الذي يتشكل*. فإذا نجحت القوى الدولية والإقليمية في فرض ترتيبات جديدة تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية، فإن ذلك يعني أن النظام الجديد سيكون قائمًا على موازين القوة وحدها. أما إذا بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في أي تسوية شاملة، فإن ذلك سيؤكد أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة جذور الصراع.
ومن الناحية العملية، فإن انشغال الولايات المتحدة بالمواجهة مع إيران يمنح إسرائيل هامشًا أكبر لإدارة عملياتها في غزة وتقليل الضغوط الدولية عليها. كما أن أي إعادة ترتيب للإقليم ستنعكس على مستقبل القطاع، سواء من حيث ترتيبات الأمن أو إعادة الإعمار أو شكل الإدارة السياسية. ولذلك فإن غزة ليست هامشًا في هذه المعادلة، بل تمثل أحد مفاتيحها الأساسية.
لكن المشروع الأميركي يواجه معضلة جوهرية تتمثل في أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط لا يمكن أن تتم فقط عبر استخدام القوة العسكرية. فالمنطقة تمتلك دينامياتها الداخلية وشبكات مصالحها وتحالفاتها المتغيرة، وكل محاولة لفرض نظام إقليمي بالقوة وحدها ستؤدي إلى إنتاج موجات جديدة من المقاومة وإعادة الاصطفاف، وهذا ما يجعل الشرق الأوسط يدخل مرحلة سيولة استراتيجية تتغير فيها التحالفات بصورة متسارعة دون أن تستقر على نموذج نهائي.
ومن هنا فإن الشرق الأوسط الجديد لن يكون نسخة مكررة من المشاريع التي طُرحت خلال العقود الماضية. إنه شرق أوسط متعدد الأقطاب، تتنافس فيه الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل والقوى العربية وإيران على رسم قواعده. ولن تكون الغلبة لمن يمتلك السلاح فقط، بل لمن يستطيع بناء شبكات نفوذ اقتصادية وسياسية وأمنية قادرة على الاستمرار.
إن العدوان الأميركي على إيران لا يمثل نهاية مرحلة بقدر ما يمثل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، والأمن مع السياسة. وفي قلب هذا التحول تبرز تركيا باعتبارها أحد أبرز الصاعدين في معادلة الإقليم، مستفيدة من تحالفاتها الجديدة مع سورية ومن قدرتها على التكيف مع التحولات الدولية.
بينما تبقى غزة القضية التي ستختبر صدقية أي نظام إقليمي جديد، لأن الشرق الأوسط لن يعرف استقرارًا حقيقيًا ما دامت القضية الفلسطينية خارج إطار العدالة السياسية والتسوية التاريخية الشاملة.

