تحت شمس تموز الملتهبة، وفي مخيم النزوح القسري الممتد، توسطت فرح الخالدي (18 عاما) أفراد عائلتها، متوشحة بثوب تخرجها الأسود. تحيط بها الزغاريد، وهي تعلن "انتصارها" على الفقد والحرب والحصار.
تلك الشابة النازحة التي عرفها جيرانها في المخيم بطلاقتها في التحدث باللغتين العربية والإنجليزية ومعرفتها باللغة الكورية، وقفت بثبات في حين تتمايل نظراتها فرحا، بحصولها على معدل 93.7% في الثانوية العامة، قائلة: "احنا قدها!".
في لحظة واحدة، تحول ذلك المكان الذي يأكله القهر تحت وطأة المعاناة، إلى ساحة للسعادة التي جلبته الشابة لمن حولها، وترددت الأناشيد في أرجاء المخيم، إعلانا عن نجاة اقتطعتها الشابة من قلب الإبادة.
لم تكن حكاية هذا النجاح سوى جزء من سيرة استثنائية لمكابدة المعاناة؛ فمع الجولات الأولى للعدوان في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فُجعت فرح باستشهاد شقيقها، ليتلو ذلك تدمير منزلهم وتحويله إلى ركام، مما أجبرهم على خوض رحلة نزوح قسري انتهت بهم في خيمة صغيرة داخل المخيم.

"مررنا بظروف صعبة جدا؛ فقدت أخي في بداية الحرب، وفقدنا بيتنا، وعشنا مرارة النزوح والتنقل بين الخيام.. لكننا اجتزنا هذه المرحلة الصعبة بقوة إيماننا بالله"، تقول فرح لصحيفة "فلسطين"، وهي تستحضر تداخل الفقد بالتعليم.
بعيدا عن المدارس التي يكتظ ما تبقى منها حاليا بالنازحين، خاضت فرح تجربة التعليم عن بعد، وسط أزمات متعددة، ولم تكن الدراسة داخل الخيمة عملية متصلة بظروف طبيعية؛ إذ عانت الطالبة وأقرانها من الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، وانتشار القوارض والحشرات، وانعدام التيار الكهربائي وشح المياه، إلى جانب الغارات الإسرائيلية المستمرة وأزيز طائرات الاحتلال الحربية بدون طيار.
تضيف فرح واصفة تفاصيل الدراسة في خضم النزوح: "العيش في الخيمة والتحدي فيها أمر معقد؛ حرارة عالية، وحشرات، وقصف مستمر، ولا وجود للكهرباء. كنا كطلاب ثانوية عامة نضطر للدراسة على الضوء الشحيح للهواتف المحمولة.. لكننا كنا نعرف حجم المسؤولية وأثبتنا أننا نستحق الحياة".
حضور قيادي ورسالة للعالم
يتجاوز تفوق فرح حدود الأرقام؛ فالشابة الحافظة لكتاب الله كليا، تتحدث بثلاث لغات (العربية، الإنجليزية، والكورية). وقد دفعتها مؤهلاتها وشخصيتها المؤثرة للتطوع كمتحدثة باسم مخيم النزوح الذي تقيم فيه، وتولي مهام التنسيق مع المؤسسات والجمعيات الإغاثية لتوفير الاحتياجات الأساسية للنازحين.
ومن قلب الخيمة، وجهت فرح رسالة باللغة الإنجليزية إلى المجتمع الدولي، شرحت فيها الواقع الذي يكابده الطلبة في غزة تحت حرب الإبادة، مؤكدة بلغة وثيقة ورسالة قاطعة قدرة الجيل على الصمود والتمسك بحقه في الحياة والتعليم.
ورغم حصولها على درجة الامتياز، لم تخفِ فرح طموحها الشديد بتسجيل نتيجة أعلى، مؤكدة أن شغفها للالتحاق بالتعليم الجامعي لا تقف أمامه عوائق الدمار أو أفق النزوح المجهول.

انتزعت فرح وذووها وجيرانها لحظات من الحياة والأمل رغم الألم، وكانت نظرات والدتها تنطق بمزيج من الفخر والرجاء وهي تراقب ابنتها تخطو خطوة جديدة نحو المستقبل، لكنهم لا يزالون يتطلعون إلى حقوقهم بالعودة إلى مناطقهم التي ابتلعها ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
وفي عيني فرح حكاية تحد لحرب الإبادة، أبطالها نحو 37 ألف طالب وطالبة في الثانوية العامة لهذا العام، وحكاية حزن على 1100 طالب وطالبة آخرين كان من المفترض أن يتقدموا للامتحانات ويحتفلوا مع أسرهم في هذا اليوم، غير أن حرب الإبادة أعدمت أرواحهم وأحلامهم قبل أن يروا نتائجهم.

