للمرة الأولى منذ أشهر طويلة، ارتفعت أصوات الزغاريد والأغاني الوطنية وأهازيج الفرح في شوارع قطاع غزة، لتكسر شيئاً من صمت الحرب التي فرضتها آلة القتل والدمار.
فما إن أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي، اليوم، نتائج امتحانات الثانوية العامة لعام 2026، حتى تحولت الأزقة ومراكز الإيواء وخيام النزوح إلى ساحات احتفال، في مشهد أعاد للحياة ملامح غابت طويلًا بفعل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
وفي أحياء المدينة، خرج الأهالي يحملون صواني الحلوى والشوكولاتة، يوزعونها على الجيران والمارة، فيما علت التكبيرات والتهليلات، وانطلقت الأغاني الخاصة بفرحة الثانوية العامة.
ولم تمنع آثار الدمار ولا رائحة الركام السكان من التعبير عن فرحتهم، في رسالة تؤكد أن الحياة ما زالت قادرة على الانتصار رغم كل محاولات قتلها.
ظروف قاسية
وأمام أحد محال بيع الحلويات، قرب مفترق الصاروخ بمدينة غزة، وقف أحمد عبد العال، يحمل صينية كبيرة مليئة بالحلوى، ويوزعها على سكان المنطقة احتفالاً بحصول شقيقه محمد عبد العال على معدل 92 بالمائة في الثانوية العامة.
وقال عبد العال، لصحيفة "فلسطين": إن شقيقه درس عامًا كاملًا في ظروف قاسية، متنقلاً بين أماكن النزوح والخيام، في ظل انقطاع الكهرباء وضعف خدمة الإنترنت وغياب البيئة التعليمية المناسبة، إلا أن إصراره على النجاح كان أقوى من الحرب.
وأضاف: "هذه الفرحة ليست لعائلتنا فقط، بل لكل غزة، مردفًا من حق طلابنا أن يفرحوا كما يفرح طلبة العالم، لكن الاحتلال حرمهم سنوات طويلة من أبسط حقوقهم، مطالبًا العالم بوقف حرب الإبادة حتى يعيش أبناؤنا حياتهم الطبيعية أسوة بطلاب العالم.
رسالة صمود
وفي منطقة الـ17 شمال مدينة غزة، حمل محمد أبو وردة، هو الآخر صينية من الحلوى، متوجهًا لتهنئة قريبه محمد عصام عساف، الذي حصل على معدل 85 بالمائة.
وقال أبو وردة لصحيفة "فلسطين": إن العام الدراسي كان من أصعب الأعوام التي مرت على الطلبة، بعدما تحولت الخيام والمراكز التعليمية المؤقتة إلى بديل عن المدارس التي دمرتها الحرب.
وأضاف: أن ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء وغياب المقاعد الدراسية لم يمنع الطلبة من مواصلة تعليمهم، والحصول على معدلات عالية.
وأوضح أن نجاح الطلبة في هذه الظروف يمثل إنجازًا حقيقيًا ورسالة صمود في وجه الاحتلال وافشال مخططاته ومشاريعه التهجيرية والنزوج، مؤكدًا أن كثيرًا من الطلبة كانوا يراجعون دروسهم على ضوء الهواتف المحمولة أو في ساعات النهار لعدم توفر الكهرباء.
إعادة الإعمار
أما الطالب بهاء إبراهيم السلطان، فلم يستطع إخفاء سعادته بعد حصوله على معدل 90 بالمئة، وهو يقف إلى جانب والده ممسكًا بصينية كبيرة من الحلوى لتوزيعها على الأقارب والمارة.
وقال السلطان لصحيفة "فلسطين": إن نجاحه يهديه إلى عائلته وإلى شهداء قطاع غزة، مؤكدًا أن الاحتلال حاول تدمير المنظومة التعليمية وكسر إرادة الطلبة، لكنه فشل في ذلك.
وأضاف: سنواصل تعليمنا رغم قلة الإمكانات، درسنا فوق الركام وفي الخيام، وسنبني مستقبلنا ونعيد إعمار غزة بالعلم والمعرفة، رغم الاحتلال الذي أراد تجهيلنا، لكننا أثبتنا أن إرادة الحياة أقوى.
بدوره، قال والد الطالب، إبراهيم السلطان: إن فرحة نجاح نجله لا توصف، رغم أن العائلة فقدت عددًا من أفاد العائلة شهداء وكما وفقدت المنزل واضطرت للنزوح أكثر من مرة خلال العام الدراسي.
وأوضح أن ابنه كان يذاكر داخل الخيمة، بينما كانت العائلة تنتقل من مكان إلى آخر هربًا من القصف وإطلاق النار، مضيفًا: أن النجاح جاء ثمرة جهد استثنائي في ظروف لم يعشها طلبة في أي مكان آخر بالعالم.
وتابع: "رغم تدمير المدارس والقصف الذي لا يتوقف، مع ذلك تمسك أبناؤنا بالعلم، واليوم نشعر أن تعبهم لم يذهب سدى".
مراكز الإيواء
وامتدت مظاهر الاحتفال إلى مراكز الإيواء وخيام النازحين في مختلف مناطق قطاع غزة، حيث تبادل الأهالي التهاني، ووزعت الحلوى وسط أجواء امتزجت فيها الدموع بالابتسامات، بعدما تمكن آلاف الطلبة من اجتياز واحدة من أصعب المراحل التعليمية في تاريخ القطاع.
وأكد عدد من المواطنين أن الاحتلال حاول طوال حرب الإبادة الجماعية على القطاع، القضاء على مظاهر الحياة الطبيعية، إلا أن نجاح الطلبة أعاد الأمل إلى العائلات التي فقدت منازلها وأحباءها، معتبرين أن العلم سيبقى سلاح الفلسطينيين في مواجهة الدمار.
وشددوا في أحاديث لصحيفة "فلسطين" على أن أبناء غزة سيواصلون تعليمهم رغم تدمير المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية، مؤكدين أن محاولات حرمانهم من حقهم في التعليم لن تنجح.
ورغم القصف المستمر، والنزوح المتكرر، وانعدام الكهرباء، ونقص وسائل التعليم، أثبت طلبة غزة، أن الإرادة قادرة على الانتصار على الحرب، وأن فرحة النجاح، مهما كانت بسيطة، تبقى إعلانًا جديدًا بأن الحياة ما زالت تنبض بين الركام.