فلسطين أون لاين

يأتي قبل التحضير لموسم عدوان طويل نهاية العام الحالي

اقتحام المستوطنين الأقصى.. "تطبيع" مشاهد العدوان وخلق وقائع تلمودية جديدة

...
صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

 

يشكل اقتحام آلاف المستوطنين المسجد الأقصى وسط حراسة من شرطة الاحتلال الإسرائيلي بغطاء أمني وسياسي إسرائيلي، دعت إليه جماعات يمينية متطرفة بمناسبة ما يسمى "خراب الهيكل"، تصعيدًا خطيرًا يأتي في إطار محاولات الاحتلال للسيطرة على المسجد الأقصى والمضي قدما في تقسيمه زمانيا ومكانيا، وخلق وقائع تلمودية جديدة.

ويرى مراقبون وباحثون في شؤون القدس لصحيفة "فلسطين" أن هذه الأعياد أصبحت مواسم عدوان وقضم وتغيير لهوية المسجد الأقصى، و"تطبيع" مشاهد العدوان لدى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية عبر تكرار الاقتحامات، وخلق وقائع تلمودية جديدة، ما يحتم خلق معادلة ردع ومواجهة شعبية فلسطينية وعربية وإسلامية وتحويلها لمواسم رباط وصمود لمواجهة التحديدات المحدقة بالأقصى.

وشكلت صورة انبطاح المستوطنين أمام قبة الصخرة أكثر المشاهد استفزازية، والتي عبر عنها وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير الذي قاد الاحتلال وقال من داخل المسجد الأقصى: "اليهود اصبحوا يصلون الآن في جبل الهيكل كما لم يكن في السابق"، كما رفعوا العلم الإسرائيلي.

وتزامنت عملية الاقتحام مع إجراءات مشددة فرضتها قوات الاحتلال على أبواب المسجد الأقصى وفي محيط البلدة القديمة، حيث منعت المصلين من دخول المسجد، فيما اعتدت بالضرب على عدد محدود تمكن من الدخول لصلاة الفجر.

طقوس تلمودية

وشملت الطقوس التلمودية التي أداها المستوطنين ارتداء لفائف "التفلين"، وأداء ما يسمى "السجود الملحمي" في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى، إضافة وترديد الأغاني والأدعية بصوت مرتفع، في وقت واصلت فيه جماعات "الهيكل" المتطرفة حشد أنصارها بهدف الوصول إلى 5 آلاف مقتحم خلال اقتحامات أمس.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها منذ احتلال المسجد الأقصى، نصبت شرطة الاحتلال مظلة للمستوطنين في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى، في خطوة جديدة تأتي إطار التقسيم المكاني وقضم المساحة.

وتحضر منظمات الهيكل بشكل حثيث لفرض رقم قياسي جديد في اقتحام "ذكرى خراب الهيكل" لكسر الرقم القديم البالغ 4 آلاف مقتحم حيث تسعى للوصول إلى 5 آلاف مقتحم في هذه المناسبة التي تسعى منذ عام 2016 لتسجيل أكبر اقتحام ممكن، وتسعى منذ عام 2021 إلى الوصول إلى رقم 5 آلاف والتي شكلت المعارك مع قطاع غزة عائقا أمام فرضه.

وسجلت السنوات السابقة أرقاما قياسية للمقتحمين للأقصى، ففي 2022 بلغ عددهم 2,200 مقتحم، وفي عام 2023 تكرر الرقم ذاته، ثم  في 2024 بلغ 3,000 مقتحم، أما في 2025 فبلغ 4,000 مقتحم، وهو ما يجعل منظمات الهيكل تعوّل على بلوغ السقف المرحلي الذي تعمل عليه منذ سنوات وهو خمسة آلاف مقتحم في يوم واحد.

ويقول الباحث في شؤون القدس زياد الحسن: إن "معادلة الردع العنصر الأهم لتصحيح المعادلة، ولدفع هذا العدوان للخلف كما أثبتت التجارب السابقة، فعند تقاطع ذكرى خراب الهيكل مع ذكرى المولد النبوي عام 1929 كان شرارة انطلاق ثورة البراق، التي تمثل أولى الثروات الكبرى التي كبدت المستوطنين خسائر باهظة.

كما كان تقاطعها مع عيد الأضحى عام 2019 سببا لمواجهة شعبية حينما أرادت منظمات الهيكل تسجيل سابقة باقتحام المسجد الأقصى في يوم عيد، وأصيب مئات المرابطين، ما يجعل شرطة الاحتلال تنظم اقتحاما رمزيا لمسافة 60 مترا من باب المغاربة إلى باب السلسلة.

الاقتحام الأكبر

ووفق الباحث في شؤون القدس علي إبراهيم، شهد المسجد الأقصى واحدًا من أقسى أيام الاقتحام والعدوان، بالتزامن مع ذكرى "خراب المعبد"، فبحسب دائرة الأوقاف بلغ عدد مقتحمي الأقصى نحو 4288 مستوطنًا، ما يعني أن عدد مقتحمي الأقصى في هذا العام تجاوز رقم الاقتحامات في العام الماضي.

ويقول إبراهيم لصحيفة "فلسطين": "على الرغم من عدم قدرة أذرع الاحتلال تحقيق هدفها المتمثل باقتحام 5 آلاف مستوطن للأقصى، على اعتبار الأرقام التي وثقتها الجهات الفلسطينية، إلا أن ما حدث في الاقتحام من مشاركة أعدادٍ كبيرة، وما رافقها من رفعٍ لأعلام الكيان، والرقص والغناء، وأداء الطقوس العلنية و"السجود الملحمي"، إلى جانب طقوس أخرى بقيادة عدد من حاخامات الاحتلال، تقدم صورة انتصار كبيرة لهذه المنظمات المتطرفة.

وحذر أن الاحتلال يحاول تنفيذ مشروع إحلالي متكامل تقوده الجماعات المتطرفة بغطاء سياسي وأمني، يمهد لفرض واقع الإحلال واقتطاع أجزاء واسعة من الأقصى لتحويلها لكنيس يهودي على غرار ما جرى بالحرم الإبراهيمي بالخليل.

الأمر الآخر الذي يلفت إليه إبراهيم، أن الاقتحام يأتي بمرحلة حساسة وخطرة من حيث التحضير لموسم عدوان طويل نهاية العام الحلي، وخلق المزيد من الوقائع على الأرض، والتي تشهد مشاركة فاعلة من أعضاء كنيست الاحتلال.

ويعتقد أن أخطر ما جرى في اقتحام أمس، نصب شرطة الاحتلال لخيمة في ساحات الأقصى الشرقية، وهو ما يُظهر ابتداءً حجم التماهي بين الجانبين، والمضي قدمًا نحو التقسيم المكاني، في سياق تثبيت الوجود اليهودي في الأقصى، وتحويل هذه الاعتداءات إلى حقائق على أرض الواقع، أي أنها ستصبح حالة تتكرر في الاقتحامات القادمة، مع زيادة الحجم والشكل والمساحة التي ستقتطعها أذرع الاحتلال.

وأشار إلى أنه ومنذ عدة سنوات في عام 2020 طالبت "منظمات المعبد" بالسماح لها بإدخال الأدوات اللازمة لعقد الصفوف الدراسية "التوراتية"، وهو ما وصفه باحثون حينها بأنه خطوة نحو نصب خيام (أو مظال دائمة) في ساحات الأقصى الشرقية، بحسب ذرائع الكيان.

 وفي نهاية شهر حزيران/ يونيو نشرت أذرع الكيان صورة معدلة بالذكاء الصناعي للمستوطنين داخل ساحات الأقصى، وكأنهم في صفوف دراسية، وتضمنت الصورة وضع قماش الظل، ومقاعد دراسية، ومكتبات، وغيرها.

 أما التطور الثاني، اقتراب أداء الطقوس العلنية إلى نقاط قريبة من مصلى قبة الصخرة، وفي مواضع مختلفة من المسجد الأقصى، وسط القيود الأمنية المشددة التي فرضتها أذرع الاحتلال الأمنية، والتي سمحت للمستوطنين بالمشاركة بكثافة في اقتحامات الأقصى. وفق إبراهيم

وأضاف أن أذرع الاحتلال، نجحت عبر تراكم اعتداءاتها المتواصلة على المسجد الأقصى وتسجيل قفزات غير مسبوقة في أعداد المقتحمين، في خلق حالة من "التطبيع" والاعتياد مع مشاهد الاقتحام. مع تراجع حدة الاستجابة وردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية، ولم تعد هذه المشاهد تستفز المشاعر كما في السابق، دون حراك حقيقي يردع الاحتلال ولا سيما في أعقاب حرب الإبادة في غزة.

ولفت إلى أنه مع تراجع حالة التفاعل الميداني الحقيقي على المستويين الشعبي والسياسي جرى تقزيم التفاعل وحصره في الفضاء الرقمي.

المصدر / فلسطين أون لاين