قراءة نفسية في المثل السيناوي: "شردنا من المطر، وقعنا تحت المزاريب"
تزخر الأمثال الشعبية بحكمةٍ قد تعجز عنها كتبٌ كاملة في علم النفس؛ لأنها وُلدت من التجربة الإنسانية، وصقلتها الأيام، حتى أصبحت تختصر في كلمات قليلة ما يحتاج شرحه إلى صفحات.
ومن أجمل هذه الأمثال، ذلك المثل الذي يتداوله أهل سيناء:
"شردنا من المطر، وقعنا تحت المزاريب".
وللوهلة الأولى يبدو المثل مجرد تصويرٍ ساخر لسوء الحظ، لكنه في الحقيقة يصف واحدًا من أكثر الأخطاء النفسية شيوعًا في حياة الإنسان.
إنه الوهم الذي يجعلنا نعتقد أن مجرد الهروب من المشكلة يعني أننا اقتربنا من الحل.
فالإنسان عندما يتعرض لضغط نفسي شديد، أو يعيش حالة من الخوف والتهديد، يصبح تركيزه منصبًا على التخلص من الألم الحالي، أكثر من اهتمامه بما سيواجهه لاحقًا.
في تلك اللحظة لا يسأل نفسه: إلى أين سأذهب؟ بل يسأل فقط: كيف أهرب؟
وهنا تبدأ المشكلة.
لقد أثبتت الدراسات النفسية أن الدماغ تحت الضغط لا يعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها في الظروف الطبيعية.
إذ تتراجع القدرة على التفكير المتأني، ويزداد الميل إلى القرارات السريعة، ويضيق إدراك الإنسان للبدائل الممكنة، حتى يبدو له أن أمامه خيارًا واحدًا فقط، في حين تكون الخيارات في الواقع أكثر مما يتصور.
ولهذا السبب، كثيرًا ما يختار الإنسان ما يخفف ألمه اليوم، دون أن ينتبه إلى أنه يضاعف معاناته غدًا.
يسمي علماء النفس هذا النمط التجنب (Avoidance Coping).
والتجنب ليس دائمًا سلوكًا سلبيًا؛ فقد يكون الابتعاد عن مصدر الخطر قرارًا حكيمًا إذا كان مؤقتًا ويهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التجنب إلى أسلوب حياة، فنصبح نهرب من كل مواجهة، ونستبدل كل أزمة بأخرى، ونظن أننا نعالج المشكلة بينما نحن في الحقيقة نؤجلها أو نزيدها تعقيدًا.
ولهذا فإن التجنب يشبه تناول المسكنات دون علاج المرض؛ يخفف الألم لبعض الوقت، لكنه لا يزيل سببه.
🍀 ومن هنا نفهم لماذا يترك بعض الناس وظائفهم بسبب مدير متسلط، ثم يكتشفون أن المدير الجديد أكثر قسوة.
🍀 ولماذا يهرب آخرون من علاقة زوجية مضطربة دون مراجعة أنفسهم، فيدخلون علاقة أخرى تحمل المشكلات ذاتها، وربما بصورة أشد.
🍀 ولماذا يغير بعض الشباب بلدًا كاملًا بحثًا عن الراحة، ثم يكتشفون أن الغربة أضافت إلى مشكلاتهم القديمة شعورًا جديدًا بالوحدة والاقتلاع.
إن المشكلة ليست دائمًا في المكان، بل قد تكون في طريقة التفكير، أو في أسلوب اتخاذ القرار، أو في الهروب قبل فهم أسباب الألم.
وفي علم النفس يوجد مفهوم آخر يفسر هذه الظاهرة، وهو الحاجة إلى الإغلاق المعرفي
(Need for Cognitive Closure).
فالإنسان بطبيعته يكره الغموض، ويشعر بالتوتر عندما يعيش حالة من عدم اليقين، ولذلك يبحث عن أي حل سريع يعيد إليه الشعور بالاستقرار، حتى لو كان هذا الحل غير مدروس.
ولهذا نرى كثيرًا من القرارات المصيرية تُتخذ في لحظات الخوف، لا في لحظات الحكمة.
وهذا لا ينطبق على الأفراد وحدهم، بل على المجتمعات أيضًا.
فالشعوب، عندما تعيش الحروب أو الأزمات الاقتصادية أو الانقسامات السياسية، تصبح أكثر استعدادًا لقبول حلول سريعة، أو زعامات تعدها بالخلاص الفوري، أو تحالفات تبدو أقل ضررًا من الواقع القائم.
لكن التاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الأمم لم تنتقل من أزمة إلى استقرار، بل من أزمة إلى أخرى، لأنها كانت تهرب من المطر، لتقف دون أن تدري تحت المزاريب.
ولعل هذا ما يفسر كثيرًا من التحولات السياسية التي انتهت بنتائج عكسية.
فكم من شعب هرب من الاستبداد، فوقع في الفوضى، وكم من دولة سعت إلى التخلص من نفوذ قوة، فوجدت نفسها أسيرة قوة أخرى أشد هيمنة.
👈 إن الخوف مستشار سيئ عندما ينفرد باتخاذ القرار.
لكن من المهم أيضًا ألا يُساء فهم هذه الفكرة.
فليست الدعوة هنا إلى البقاء في كل واقع مؤلم، ولا إلى رفض التغيير.
فعلم النفس يفرق بين الهروب والانسحاب الواعي.
فالانسحاب الواعي قرار يُبنى على دراسة البدائل، وتقدير النتائج، واختيار أقل الخيارات ضررًا على المدى البعيد.
أما الهروب، فهو استجابة انفعالية هدفها التخلص من الألم الآن، مهما كان ثمن المستقبل.
ولهذا فإن المرونة النفسية لا تعني تحمل كل شيء، كما لا تعني الفرار من كل شيء، وإنما تعني القدرة على اختيار التوقيت المناسب، والطريق المناسب، والقرار المناسب.
إن الإنسان الناضج لا يقيس نجاح قراره بمقدار الراحة التي شعر بها في ساعته الأولى، وإنما بما حققه ذلك القرار بعد أشهر وسنوات.
👈 وهنا تتجلى عبقرية المثل السيناوي.
🍀 فهو لا يحذر من المطر، بل يحذر من القرارات التي يصنعها الخوف.
🍀 ولا يذم الحركة، بل يذم الحركة العشوائية.
🍀 ولا يرفض التغيير، بل يدعو إلى أن يكون التغيير مبنيًا على بصيرة لا على هلع.
ولذلك فإن الحكمة ليست أن نهرب من المطر بأسرع ما نستطيع، وإنما أن نتوقف لحظة، ننظر إلى الطريق، ونسأل أنفسنا: هل يقودنا هذا الاتجاه إلى النجاة.. أم إلى المزاريب؟
إن كثيرًا من مآسي الأفراد، وكثيرًا من كوارث المجتمعات، لم تبدأ بسوء النية، وإنما بدأت بقرار اتُّخذ تحت ضغط الخوف.
ولهذا فإن الإنسان الحكيم لا يجعل الألم قائدًا لقراراته، ولا يجعل الخوف بوصلة مستقبله، بل يمنح العقل فرصة ليرى ما لا تراه العين المبللة بالمطر.
فقد يكون المطر الذي نخشاه أقل ضررًا بكثير من المزاريب التي نستعجل الوقوف تحتها.