عادت مشاهد الإبادة الجماعية على قطاع غزة، بشكل لافت خلال يوليو/ تموز الجاري، وباتت عمليات القصف الإسرائيلي للمنازل، وتفجير الأحياء والمربعات السكنية، وعمليات القتل والاغتيالات روتينا يوميا لجيش الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل تقدمه عبر "الخط الأصفر" لقضم نحو 70 بالمائة من مساحة غزة المدمرة.
هذه الوقائع العسكرية والأمنية تأتي وسط استمرار تدهور الكارثة الإنسانية والمعيشية لأكثر من 2.3 مليون إنسان في القطاع، وحشرهم في مساحة 30 بالمئة يواجهون الأمراض والحشرات ونقص المياه والرعاية الطبية، في حين تنذر إحصائيات أممية بأن 1.6 مليون شخص في غزة يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي بسبب الحصار الإسرائيلي ومنع دخول المساعدات الإنسانية بانتظام.
وعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر العام الماضي، برعاية الوسطاء (مصر، قطر، تركيا) وإشراف الإدارة الأمريكية، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف، ووصف مراقبون هذا الاتفاق بـ"الهش".
ويطلب جيش الاحتلال بين الحين والآخر من سكان القطاع أو النازحين في الخيام ومراكز الإيواء إخلاء بعض المناطق السكنية تمهيدا لقصف واسع أو تنفيذ عملية عسكرية عدا عن ضرب النقاط الشرطية والأمنية؛ بهدف إحلال الفوضى والاقتتال الداخلي.
والأسبوع الجاري، نفذ جيش الاحتلال 5 عمليات قصف وحشية لمربعات سكنية وسط القطاع، في حين، طلب من النازحين في الخيام في أحياء حي الزيتون، وسكان أحياء شرق مدينة دير البلح بالإخلاء فورا تمهيدا لعمليات عسكرية وتوسعة "الخط الأصفر".
وتضاف عمليات النزوح الجديدة بعد أكثر من 1000 يوم من الإبادة الجماعية، لأكثر من 90 بالمئة من سكان غزة الذين تعرضوا للنزوح الداخلي المتكرر وغياب المناطق الآمنة أو حتى مناطق معيشية، وذلك بعد قيام جيش الاحتلال الأيام الماضية بتقديم "الخط الأصفر" في الأحياء: الزيتون، التفاح، الشجاعية (شرق مدينة غزة)، وكذلك مخيمي البريج والمغازي ومدينة دير البلح (وسط).
ودفع ذلك، رئيس مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة د. محمد أبو سلمية، بالقول إن: التصعيد الإسرائيلي في غزة يعكس استمرار الإبادة الجماعية، لافتا إلى أن غالبية الضحايا هم من النساء والأطفال.
دعاية انتخابية
وربط المختص في الشأن الإسرائيلي راسم عبيدات بين تصاعد مشاهد الإبادة والمجازر الإسرائيلية في غزة، وتحديد موعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في 27 أكتوبر/ تشرين أول القادم، وقال إن حكومة اليمين المتطرف أمام استحقاق انتخابي ودون استئناف الإبادة "تدرك هذه الأحزاب الخسارة" البرلمانية.
وذكر عبيدات لصحيفة "فلسطين" أن استمرار الإبادة في غزة لا ينفصل عن الحرب الإسرائيلية على لبنان أو الإسرائيلية – الأمريكية على إيران، وكذلك عمليات التوسع والضم الاستيطاني في الضفة الغربية.
وأضاف: "اليمين الإسرائيلي يتغذى على الحروب والدماء (...) وبالتالي فإن التصعيد مصلحة سياسية انتخابية"، منبها إلى أن هذه الأحزاب المتطرفة متفقة على "مشروع هندسة جغرافية وديمغرافية" في غزة والضفة والقدس.
ويتقاطع حديثه مع أقوال صحيفة "هآرتس" العبرية التي جاء فيها "إن رئيس حكومة الاحتلال المجرم نتنياهو قد يجدد الحرب على غزة؛ لكسب الأصوات في الانتخابات العامة المقبلة".
وتابع: "للأسف... هذا المشروع اليميني الإسرائيلي الرامي إلى تغيرات جوهرية في القضية والشعب الفلسطيني يتواصل وسط حالة انهيار رسمي عربي وإسلامي".
وأوضح أن الهدف الأساسي لأحزاب "اليمين المتطرفة" هو كسب أصوات الناخبين والاستمرار بمشاريع التوسع الاستيطاني والتهجير والقضاء على حقوق الفلسطينيين.
وذكر أن نتنياهو سيحاول بمختلف القوانين واللوائح وتغذية الحروب في المنطقة والتوسع الاستيطاني "تحقيق الفوز" والبقاء في الحكم؛ للهروب من المحاكمة بملفات الفساد واتهامه بالمسؤولية حول الإخفاق الإسرائيلي في التصدي لـ"طوفان الأقصى".
وبينما تشير استطلاعات الرأي العام في (إسرائيل) إلى أن "ائتلاف نتنياهو" لا يملك فرصة للفوز بـ61 مقعدا، وهي الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة، إلا أن استطلاع للرأي أجرته "القناة 12" العبرية أظهرت أن 23% من الإسرائيليين يفكرون في الهجرة، أو أن أحد أفراد عائلاتهم يفكر في ذلك، في حال فوز نتنياهو في الانتخابات المقبلة.
وجاءت نتائج الاستطلاع في ظل تصاعد الخلافات السياسية والاجتماعية داخل (إسرائيل)، بعد فترة طويلة من الاضطراب بدأت مع الاحتجاجات ضد حكومة نتنياهو بشأن التعديلات القضائية، وتفاقمت بعد عملية 7 من أكتوبر 2023 والحرب التي اندلعت في غزة، وما رافقها من تداعيات سياسية وأمنية داخلية.
وتطرق الكاتب المقدسي إلى الأوضاع الداخلية الإسرائيلية والتغيرات القانونية في الكنيست، وتصاعد المظاهرات الاحتجاجية ضد حكومة نتنياهو المتطرفة، واستطلاعات الرأي العام التي تظهر تراجع "ائتلاف نتنياهو".
وبناء على تلك العوامل، رجح استمرار الإبادة الجماعية في غزة والمشاريع الاستيطانية في الضفة والقدس المحتلتين، وكذلك تغيرات "صادمة" في المسجد الأقصى المبارك؛ لكسب "أحزاب اليمين" أصوات الناخبين الإسرائيليين وكذلك كسب نتنياهو ولاء بعض الأحزاب السياسية.
كذبوا عليكم
وبينما أحصى المكتب الإعلامي الحكومي 3689 خرقا إسرائيليا للاتفاق، وثقت صحيفة "هآرتس" العبرية قتل سلاح الجو منذ بداية العمل باتفاق وقف إطلاق النار، 274 طفلا، بما يعني أن (إسرائيل) تقتل طفلا فلسطينيا في غزة كل يوم.
وفي مواجهة هذا المشهد، حاول نشطاء فلسطينيون ودوليون إعادة غزة إلى واجهة الاهتمام، عبر حملة رقمية تحت وسم "كذبوا عليكم"؛ لتفنيد الانطباع حول وقف الإبادة الإسرائيلية على غزة.
وعبر مقاطع مصورة ومنشورات مكتوبة، حاول الناشطون تسليط الضوء على معاناة أهل غزة: الأمراض، الجوع، القتل، القصف، النزوح، وغيرهما.
ووفق بيانات وزارة الصحة، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي إلى 1168 شهيدًا، إضافة إلى 3798 مصابًا، فضلاً عن تسجيل 802 حالة انتشال.
وبذلك، بلغت الحصيلة الإجمالية لعدوان الاحتلال على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 نحو 73,293 شهيدًا و173,906 مصابين، في ظل استمرار الإبادة وما خلفته من خسائر بشرية واسعة.