يجلس الأسير المحرر مصعب مدوخ (40 عامًا) بالقرب من منزله المدمر في حي الصبرة بمدينة غزة، يحمل في داخله وجعًا لا يهدأ وذاكرة مثقلة بأصعب لحظات حياته.
فأسفل أنقاض منزله الذي دُمر بقصف إسرائيلي خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، لا تزال جثامين عدد من أفراد عائلته عالقة حتى يومنا هذا، في حين يعيش يومياته بين الانتظار والخوف والبحث عن بقايا عائلته.
حجم الكارثة
ويقول مدوخ لصحيفة "فلسطين": إن منزله، القريب من مسجد عبد الله عزام، في حي الصبرة، تعرض للقصف في 29 كانون الثاني/ يناير 2024، فقد كان يضم قبل استهدافه 19 فردًا من عائلته، بينهم والدته "سهيرة"، وشقيقاه: صهيب وزوجته وطفلاهما، وعز الدين.
وزوجة مصعب، سامية، وأطفالهما بشير ومنة الله وسهير ومحمد وحمزة، إضافة إلى شقيقته ضحى وزوجها محمود الغرة وستة من أطفالهما.
ويضيف أن المنزل تعرض لقصف إسرائيلي عنيف قبل اعتقاله بنحو شهر ونصف الشهر، موضحًا أن القصف جاء بشكل مفاجئ وسط استهداف من الطائرات الحربية والمدفعية، لافتًا إلى أنه في تلك اللحظات لم يكن يدرك حجم الكارثة التي حلت بعائلته.
ويتابع: "بعد استهداف المنزل تم انتشال عدد من الشهداء، لكن ثمانية جثامين لا تزال حتى هذه اللحظة تحت الركام، ولا نعرف تحديدًا من بقي منهم هناك، خاصة بعد مرور وقت طويل واستخراج بعض الجثامين على مراحل.
ويشير مدوخ، إلى أن عمليات البحث والانتشال كانت شاقة في ظل غياب المعدات الثقيلة والآليات اللازمة، لافتًا إلى أن بعض أفراد العائلة حاولوا بجهود شخصية إزالة الركام وانتشال ما يمكن الوصول إليه، في ظل حجم الدمار الكبير الذي خلفه القصف.
ويمضى بالقول بصوت حزين: أعيش حالة نفسية صعبة جدًا، فأنا أسكن بالقرب من منزلي المدمر، حاولت إغلاق النوافذ والأجزاء المتضررة حتى أستطيع البقاء في المكان، لكنني غير قادر على مغادرة المنطقة، لأن أبنائي وأفراد عائلتي لا يزالون تحت الركام.
أصعب مرحلة
ويردف مدوخ: أن وجوده بالقرب من المنزل يعيد إليه تفاصيل المأساة في كل لحظة، قائلاً: لا يوجد فرح في هذا المكان، كلما اقتربت من المنزل أشعر بالألم، وأطفالي وأبناء شقيقي الذين يعيشون بالقرب مني يشعرون بالخوف من وجود الجثامين تحت الأنقاض، وأحاول أحيانًا البحث عن بقايا عظام لأفراد عائلتي، وهذا يزيد من معاناتي النفسية.
ويؤكد مدوخ، أن أكثر اللحظات قسوة في حياته كانت ساعة استهداف المنزل، موضحًا أنه خرج من المكان قبل القصف بوقت قصير، ثم تلقى خبر استهداف عائلته، قبل أن تبدأ مرحلة أخرى من المعاناة خلال اعتقاله في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
ويمضى بحزن شديد: عشت أصعب المراحل خلال وجودي في الأسر، فقد بقيت قرابة عام وثمانية أشهر في سجون الاحتلال، ولم أكن أعرف طوال تلك الفترة تفاصيل ما حدث لعائلتي، بسبب خطورة الوضع وصعوبة التواصل، وبعد خروجي من السجن في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2025 عدت لأواجه مأساة جديدة بين ركام منزلي وانتظار جثامين أحبائي.
ويؤكد مدوخ، أن ذكرى ذلك اليوم لا تفارقه، وأن بقاء الجثامين تحت الأنقاض يمثل جرحًا مفتوحًا لا يلتئم، مطالبًا المؤسسات الدولية والإنسانية، والدفاع المدني، وكافة الجهات العاملة في قطاع غزة، بالتدخل العاجل وتوفير المعدات اللازمة لانتشال جثامين الشهداء وإنهاء معاناة العائلات التي ما تزال تنتظر أحبائها تحت الركام.

وتواصل طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة، عمليات البحث واستخراج جثامين الشهداء من تحت أنقاض المنازل المدمرة، رغم النقص الحاد في المعدات الثقيلة.
وتشير تقديرات الجهاز، إلى وجود قرابة 8,500 جثمان تحت الركام منذ بداية الحرب، حيث يتم العمل حاليًا بإمكانات يدوية ومحدودة، إضافة إلى مشاريع تنقيب واسعة في عدة مواقع بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لانتشال الجثامين.

