لم يعد الألم وحده ما يثقل كاهل آلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة، بل الانتظار الطويل أيضًا، انتظار قد يمتد لأشهر أو سنوات، في حين تتراجع أجسادهم يومًا بعد آخر مع نقص الأدوية وتعطل الخدمات العلاجية المتخصصة، وتضاؤل فرص السفر لتلقي العلاج خارج القطاع.
فبين مريض سرطان نفد دواؤه، وطفلة فقدت قدرتها على المشي، وجريح ينتظر طرفًا صناعيًا، ومريضة بالكاد تستطيع إخراج الكلمات من بين آلامها، تتوحد أصوات المرضى في مطلب واحد: فتح حقيقي ومستدام لمعبر رفح يضمن سفرهم للعلاج قبل فوات الأوان.
تعيش نسرين رمضان أبو كاشف مأساة مضاعفة داخل خيم النزوح، إذ ترعى زوجها عبد السلام المصاب بالسرطان، إلى جانب طفلتها مريم التي تعاني ثقبًا في القلب.
على هامش مشاركتها في وقفة تضامنية للجرحى والمرضى نُظمت في مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس، للمطالبة بفتح المعابر وتمكين المرضى والجرحى من السفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، تقول إن زوجها كان يعاني ورمًا في الأحبال الصوتية، لكنه امتد لاحقًا إلى الرئتين، وأصبح غير قادر على الكلام ويعاني ضيقًا شديدًا في التنفس، فيما عاد مؤخرًا من المستشفى بعدما أُبلغ بعدم توفر جرعته الكيماوية.
وتضيف بحسرة لصحيفة "فلسطين": “لدينا تحويلات طبية معتمدة، لكننا ما زلنا ننتظر أي اتصال للسفر، نحن لا نطلب رحلة أو إجلاءً، بل علاجًا ثم العودة إلى غزة”.
وترى أن الأعداد المحدودة من المرضى الذين يُسمح لهم بالسفر لا تتناسب مع حجم الاحتياج، مطالبة بزيادة أعداد المسافرين بشكل يتيح إنقاذ آلاف المرضى الذين تتدهور أوضاعهم الصحية كل يوم.
مرارة النزوح والإعاقة
ولا تختلف معاناة الجرحى كثيرًا عن المرضى، فمحمد خضر النواجحة الذي شارك في الوقفة أيضا، أصيب خلال الحرب إصابة بالغة أدت إلى بتر يده وإصابته بإعاقة في ساقه، حتى إنه كاد يُسجل ضمن الشهداء مجهولي الهوية قبل أن يُكتشف أنه لا يزال على قيد الحياة.
ورغم نجاته، يقول لصحيفة "فلسطين": إن حياته لم تعد كما كانت، فهو يعيش مرارة النزوح والإعاقة معًا، وينتظر فرصة للسفر وتركيب طرف صناعي يساعده على استعادة جزء من حياته.
ويؤكد النواجحة أن الجرحى لا يطلبون أكثر من حقهم في العلاج والتأهيل حتى يتمكنوا من إعالة أسرهم والعودة إلى حياتهم الطبيعية.
أما الطفلة ابتسام رأفت انشاصي، فتختصر حكايتها معنى الانتظار المؤلم، فمنذ ولادتها وهي تعاني انحرافًا في العمود الفقري، إلا أن حالتها ازدادت سوءًا خلال السنوات الأخيرة، حتى فقدت قدرتها على المشي وأصبحت ملازمة للكرسي.
وتروي والدتها سحر انشاصي أن الأسرة تنتظر منذ عامين تنفيذ تحويلة طبية لإجراء عملية دقيقة خارج قطاع غزة، بينما تتدهور حالة ابنتها باستمرار.
تقول وهي تستعيد كلمات طفلتها اليومية: “ماما… بدي أمشي، ماما رجلي منملات، مش قادرة أتحرك”.
وتناشد العالم الالتفات إلى الأطفال المرضى الذين يفقدون فرص العلاج مع مرور الوقت.
وفي زاوية أخرى، تكافح إيمان محمد أبو ندى لإخراج صوتها بصعوبة بسبب لحمية متكررة في الأحبال الصوتية، تؤكد أنها تعود بعد أسابيع قليلة من كل عملية استئصال.
وتقول لصحيفة "فلسطين"، إنها تضطر لبذل جهد كبير حتى تتمكن من الحديث، بينما تسبب لها حالتها ضيقًا في التنفس وآلامًا مستمرة.
وتوضح أنها حصلت على تحويلة علاجية منذ عام 2024، لكنها لا تزال تنتظر دورها للسفر، مطالبة بفتح المجال أمام أعداد أكبر من المرضى للوصول إلى المستشفيات خارج القطاع، حيث يمكنهم تلقي العلاج الذي لم يعد متاحًا داخل غزة.
وتعكس هذه الشهادات جانبًا من معاناة آلاف المرضى والجرحى الذين يقفون يوميًا بين الألم والأمل؛ ألم المرض والإصابة، وأمل الوصول إلى علاج قد ينقذ حياتهم أو يوقف تدهور حالاتهم.
وبينما تتزايد الاحتياجات الطبية مع استمرار الظروف الإنسانية الصعبة، يبقى السفر للعلاج بالنسبة لكثيرين ليس رفاهية ولا خيارًا، بل طوق النجاة الأخير.