تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي عمليات النسف واسعة النطاق للمنازل والأحياء السكنية والمنشآت المدنية داخل ما يسمى "الخط الأصفر" في قطاع غزة، وهي مناطق تشكل نحو 70% من مساحة القطاع.
هذه العمليات تأتي في سياق تصعيد ممنهج، يرمي إلى تعميق الدمار في قطاع غزة، وفرض وقائع ميدانية جديدة، ومنع عودة المواطنين إلى مناطقهم الأصلية. وتتجاوز هذه الممارسات الخسائر المادية لتطال النسيج الاجتماعي والنفسي للأهالي، محولةً آلاف العائلات إلى نازحين دائمين، ومقوضةً أي أمل في إعادة الإعمار والاستقرار.
وبعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، انسحب جيش الاحتلال الإسرائيلي من عمق محافظات قطاع غزة إلى ما عُرف بـ"الخط الأصفر". هذا الخط سريعا ما تحول إلى ذريعة للاحتلال لمواصلة سيطرته أكثر من ثلثي مساحة القطاع، مانعًا سكان مناطق مثل رفح، وخان يونس، وشرق مدينة غزة، وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون من العودة إلى منازلهم.
حلم العودة المهدد بالنسف
مصطفى أبو راضي، البالغ من العمر 62 عامًا، هو واحد من آلاف المواطنين الذين يعيشون كابوس النزوح. ينحدر أبو راضي من حي الزيتون شرق مدينة غزة، وهو حي يقع ضمن مناطق "الخط الأصفر" التي تشهد عمليات نسف إسرائيلية مستمرة. حاليًا، يجد مصطفى نفسه نازحًا في مخيم إيواء غرب مدينة غزة، حيث تتكدس العائلات في ظروف إنسانية صعبة، بعيدًا عن منازلهم وأراضيهم.
يقول الرجل لصحيفة "فلسطين": "كل يوم أستيقظ على أمل أن أعود إلى بيتي، إلى حي الزيتون الذي قضيت فيه عمري كله، لكن هذا الأمل يتلاشى مع كل خبر نسمعه عن نسف جديد لمنزل أو حي كامل داخل الخط الأصفر"
اقرأ المزيد: النازحون قرب "الخط الأصفر" يواجهون العطش والمرض بعيدًا عن نطاق الإغاثة
. اقرأ المزيد: قرب الخط الأصفر بغزة.. مربي نحل يقاوم الدمار والغلاء لإنقاذ خلاياه
يخشى مصطفى أن يكون منزله، الذي بناه بجهد وعرق 35 عامًا من العمل الشاق كعامل في الداخل المحتل، قد تحول إلى ركام "هذه العمارة ليست مجرد جدران، إنها تاريخي، ذكريات عائلتي، كل ما أملك في هذه الدنيا. إذا دُمرت، سأكون أنا وأسرتي نازحين ومشردين لسنوات طويلة، وربما للأبد".
يرى أبو راضي أن عمليات النسف هذه ليست عشوائية، بل هي جزء من سياسة ممنهجة "إن عمليات النسف الإسرائيلية في تلك المناطق لا تتوقف، ودولة الاحتلال تسعى لإجبار الفلسطينيين في غزة على الهجرة في ظل إصرارها على قتل كافة أشكال الحياة في غزة. يريدون أن نموت ببطء، أن نفقد الأمل، أن نترك أرضنا".
إيجار باهظ وأمل مفقود
في حي النصر شمال غرب مدينة غزة، يعيش أكرم أبو حسن مع أسرته المكونة من أربعة أفراد في منزل مدمر جزئيًا، يدفع عليه إيجارًا شهريًا يبلغ 1500 شيكل. هذا المبلغ يمثل "نصيب الأسد" من راتبه الشهري الذي لا يتجاوز 2200 شيكل، تاركًا له ولأسرته بالكاد ما يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
أبو حسن الذي نزح قسرا من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وهو أيضًا ضمن مناطق "الخط الأصفر"، يرى أن عمليات النسف المستمرة تقتل أي أمل له ولأسرته بالعودة إلى منزله، ويقول لصحيفة "فلسطين": "كيف يمكنني أن أحلم بالعودة إلى بيتي في الشجاعية وهو يتعرض للنسف يوميًا؟".
ويضيف: "هذه العمليات لا تدمر الحجارة فقط، بل تدمر أرواحنا، تدمر مستقبل أطفالنا". يناشد أبو حسن الوسطاء الذين رعوا اتفاق وقف إطلاق النار "الوسطاء في اتفاق وقف إطلاق النار مطلوب منهم التدخل لوقف هذه التجاوزات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار. صمتهم يعني موافقتهم على تدمير ما تبقى من غزة".
ويؤكد أبو حسن أن الهدف من هذه العمليات واضح "دولة الاحتلال تريد من جميع سكان غزة المغادرة وترك غزة من خلال نسف منازلهم ومنشآتهم ومؤسساتهم ومصانعهم وتجريف مزارعهم. إنهم يريدون غزة خالية من أهلها، أرضًا محروقة لا تصلح للحياة".
أبعاد وتداعيات النسف
ويرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل خلال حديثه مع صحيفة "فلسطين" أن عمليات النسف الإسرائيلية المتواصلة داخل الخط الأصفر في قطاع غزة ليست مجرد أعمال عسكرية بل هي استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وعسكرية بعيدة المدى.
وقال: "هذه العمليات تمثل تصعيدًا خطيرًا يهدف بالدرجة الأولى إلى تعميق الدمار في قطاع غزة، وتحويل أجزاء واسعة منه إلى مناطق غير صالحة للسكن، وبالتالي فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض".
يرى عوكل أن الهدف الأساسي من هذه الممارسات هو "منع عودة السكان الفلسطينيين إلى مناطقهم الأصلية، وخلق منطقة عازلة واسعة تحت السيطرة الإسرائيلية، مما يقوض أي حل مستقبلي يقوم على أساس الدولة الفلسطينية"، مشدداً على أن "(إسرائيل) تستغل اتفاق وقف إطلاق النار كغطاء لمواصلة أجندتها التوسعية والتدميرية، متجاهلةً كافة القوانين الدولية والاتفاقيات المبرمة".
ويتابع: "إن هذه السياسة تهدف إلى إجبار السكان على الهجرة القسرية، وتفريغ القطاع من سكانه الأصليين، وهو ما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي البطيء". ويختتم عوكل تصريحه بالقول: "المجتمع الدولي والوسطاء مطالبون بالتحرك الفوري والضغط على (إسرائيل) لوقف هذه الانتهاكات الصارخة، وإلا فإننا سنشهد تدميرًا كاملاً لقطاع غزة، ومحوًا لأي أمل في السلام والاستقرار في المنطقة".