من قلب مأساة فقدان ابنها الأكبر، اختارت عائلة الفتى عبد الرحمن محمد الشيخ أحمد (15 عامًا) أن تزرع بذرة أمل في حياة آخرين.
فبعد ساعات من وفاته إثر انهيار حفرة امتصاصية كان يحفرها بجوار خيمة أسرته شمال خانيونس، اتخذت قرارًا بالتبرع بقرنيتيه، لتتحول نهاية حياته إلى بداية جديدة لمرضى يترقبون استعادة أبصارهم.
وتعد هذه ثالث حالة تبرع بالقرنيات تُسجل في مجمع ناصر الطبي منذ بداية العام الجاري.
وكان عبد الرحمن يساعد والده في حفر حفرة امتصاصية جديدة إلى جانب الخيمة التي تؤوي الأسرة، بعدما امتلأت الحفرة القديمة بمياه الصرف، وباتت تتسبب في انتشار الروائح الكريهة بين خيام النازحين، وبينما كان الأب والابن يعملان معًا، انهارت التربة فجأة على الفتى، ليفارق الحياة أمام عيني والده في مشهد لم يستطع نسيانه.
ويروي والده، محمد الشيخ أحمد، لصحيفة "فلسطين" تفاصيل اللحظات القاسية قائلاً: "توفى الولد قدام عيني، ما قدرتش أطلعه ولا قدرت أعمل أي حاجة"، موضحًا أنه استنجد بالموجودين في المكان، قبل أن تتمكن طواقم الإنقاذ من انتشال جثمانه بعد وقت من الحادث.
ورغم الفاجعة، لم يقتصر وداع الأسرة لابنها على مراسم الدفن، بل اجتمع أفرادها واتخذوا قرارًا جماعيًا بالتبرع بقرنيتيه، إيمانًا منهم بأن رحيله يمكن أن يمنح النور لآخرين.
ويقول الوالد: "هذا أقل ما نستطيع أن نقدمه ونجود به، اجتمعنا كأسرة وقررنا أن نتصدق بالقرنيتين عن روحه، وعن روح جميع أموات المسلمين، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله".
ويضيف، بصوت يملؤه الحزن: "عبد الرحمن كان الكبير عندي، وإيدي اليمين، هو اللي بستند عليه... راح لله عز وجل".
داخل مجمع ناصر الطبي، كان فريق جراحة العيون يستعد لنزع القرنيتين، في سباق مع الزمن لإنقاذ مرضى يواجهون خطر فقدان البصر، في ظل نقص حاد في الإمكانات الطبية واستمرار الحصار والحرب.
طوق نجاة
ويؤكد الدكتور أسامة أبو الوفا، رئيس قسم العيون في مستشفى غزة الأوروبي ومجمع ناصر الطبي، أن التبرع بالقرنيات أصبح يمثل طوق نجاة لعشرات المرضى الذين يعانون من عتامات والتهابات شديدة في القرنية، موضحًا أن تعذر السفر وصعوبة إدخال القرنيات إلى قطاع غزة أديا إلى تراكم الحالات المحتاجة إلى الزراعة.
ويشير أبو الوفا إلى أن الطواقم الطبية أجرت خلال السنوات الثلاث الماضية ثماني عمليات زراعة قرنية للحالات الأكثر إلحاحًا، بينما لا يزال نحو 15 مريضًا ينتظرون عمليات زراعة عاجلة، وبعضهم أصبح مهددًا بفقدان بصره بشكل كامل إذا لم تتوفر قرنيات في الوقت المناسب.
ولا تتوقف معاناة الأطباء عند نقص القرنيات، إذ يوضح أبو الوفا أن المستشفيات تعاني أيضًا من نقص حاد في المستهلكات الجراحية، لدرجة استخدام خيط الجراحة الواحد في أكثر من عملية، إضافة إلى نفاد المادة الحافظة الخاصة بالقرنيات، الأمر الذي يفرض نقل القرنية مباشرة من المتبرع إلى غرفة العمليات عند توفر أي حالة جديدة.
ويقول إن هذه الظروف تجعل إجراء عمليات الزراعة أكثر تعقيدًا، لكنها لا تمنع الطواقم الطبية من مواصلة العمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أبصار المرضى، رغم شح الإمكانات وتهالك الأدوات.
ويضيف أن الحرب خلفت آلاف الإصابات في العيون، وأن ما يقارب عشرة آلاف شخص فقدوا إحدى عيونهم أو بصرهم نتيجة إصابات مباشرة، بينما كان بالإمكان إنقاذ عدد كبير منهم لو توفرت الأدوات والمستهلكات الطبية اللازمة في الوقت المناسب، مشيرًا إلى أن بعض الإصابات تطورت إلى التهابات شديدة في القرنية كان علاجها يتطلب زراعة عاجلة لم تكن متاحة.
ويوجه أبو الوفا نداءً إلى المؤسسات الدولية والجهات الداعمة لتوفير المواد الجراحية والمستهلكات الخاصة بزراعة القرنيات، بما يضمن استمرار تقديم هذا النوع من العمليات المنقذة للبصر، ويمنح المرضى فرصة جديدة للحياة.
وفي قطاع غزة، حيث تتوالى المآسي كل يوم، تحولت قصة عبد الرحمن من حادثة فقد مؤلمة إلى حكاية عطاء استثنائية، فبينما رحل الفتى الذي كان يحاول تهيئة الحد الأدنى من مقومات الحياة لعائلته داخل خيمة نزوح، بقي جزء منه شاهدًا على أن إنقاذ إنسان واحد من ظلام فقدان البصر قد يكون أعظم أثر يتركه الإنسان بعد رحيله.