فلسطين أون لاين

عمالة الأطفال تتوسع في غزة مع فقدان المعيل وانهيار الدخل

...
أطفال غزة يجمعون البلاستيك والألمنيوم بين النفايات لإعالة أسرهم وسط واقع النزوح القاسي (أرشيف)
غزة/ رامي رمانة:

بين أزقة الشوارع وعلى الطرقات، يحاول الطفل حسام وشقيقه البحث عن مخلفات الأواني البلاستيكية، إذ يجمعانها لبيعها لاحقًا لإحدى الشركات المحلية.

الشركة التي نشأت خلال فترة الحرب تعمل على إعادة تدوير البلاستيك وتحويله إلى مادة شبيهة بالسولار من خلال عمليات الحرق، مقابل ستة شواكل لكل كيلوغرام من البلاستيك.

اضطر أحمد إلى العمل لمساندة أسرته بعد فقدان والده خلال حرب الإبادة، في ظروف معيشية قاسية. يروي الطفل لصحيفة "فلسطين" معاناته اليومية، مشيرًا إلى أنه يعيش مع أسرته في خيمة بمنطقة وسط قطاع غزة، حيث تفتقر الحياة إلى أبسط مقومات الاستقرار والأمان.

يقول إنه يستيقظ مع ساعات الصباح الأولى، قبل أن تشتد حرارة الشمس، ليبدأ رحلة البحث بين أكوام النفايات، أملًا في العثور على كمية أكبر من البلاستيك تزيد من دخله اليومي.

ويضيف بصوت يختلط فيه التعب بالحزن: "أحيانًا لا نجد شيئًا، وأحيانًا نجمع القليل فقط… لكننا مضطرون أن نكمل، لأننا بحاجة للمال".

ويشير إلى أن العمل مرهق وخطير، خاصة مع انتشار الركام والمخلفات الحادة، لكنه لا يملك خيارًا آخر.

ولا يقتصر الأمر على أحمد، إذ يعمل العديد من الأطفال في ظروف مشابهة، في مشهد يتكرر يوميًا في مختلف أنحاء قطاع غزة. ففي موازاة ذلك، يقوم أطفال آخرون بجمع علب الألمنيوم، مثل علب المشروبات الغازية، من بين النفايات، ويبيعونها لتجار يقومون بكبسها وتخزينها تمهيدًا لبيعها لاحقًا في حال فتح المعابر، نظرًا لكونها مادة قابلة لإعادة التدوير.

يحمل هؤلاء الأطفال أكياسًا كبيرة أو عربات بدائية، ويتنقلون لساعات طويلة بحثًا عن أكبر كمية ممكنة من العلب، رغم ما يحيط بهم من مخاطر، كالمخلفات الحادة أو الأماكن غير الآمنة. ويقومون بعد ذلك ببيع ما جمعوه لتجار محليين، يعملون على كبس هذه العلب وتخزينها في مستودعات مؤقتة، انتظارًا لفرصة إعادة تصديرها في حال فتح المعابر.

جهد كبير ومبلغ بسيط

ويقول لؤي، أحد الأطفال العاملين في هذا المجال، إن جمع الألمنيوم يتطلب جهدًا كبيرًا، لكنه يظل مصدر دخل مهم، مضيفًا لصحيفة "فلسطين": "كلما جمعنا كمية أكبر، نحصل على مال أكثر… لكن الأمر ليس سهلًا، نقضي يومًا كاملًا لنحصل على مبلغ بسيط".

وفي مشاهد أخرى، يظهر أطفال يجرّون عربات يدوية، أو يفترشون بسطات صغيرة لبيع سلع بسيطة، أو يعملون في مهن هامشية، في محاولة لتعويض غياب المعيل أو انعدام مصادر الدخل داخل أسرهم.

تلك المشاهد تمثل صورة واضحة لانتشار عمالة الأطفال في قطاع غزة، والتي تفاقمت بشكل ملحوظ بسبب الحرب التي استمرت لثلاث سنوات، وما خلفته من تدهور اقتصادي حاد.

وعمالة الأطفال هي إدخال الأطفال دون سن العمل القانوني في النشاط الاقتصادي بهدف توليد دخل للأسرة، سواء كان ذلك في أعمال رسمية أو غير رسمية.

وتشير تقارير أممية إلى أن ما لا يقل عن 39 ألف طفل في قطاع غزة فقدوا أحد الوالدين أو كليهما منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، ما يدفع العديد منهم للبحث عن مصادر دخل لتعويض غياب المعيل.

كما أفاد الجهاز المركزي للإحصاء أن عدد الأطفال العاملين في قطاع غزة تضاعف خلال السنوات الخمس الأخيرة، ليصل إلى نحو 9700 طفل تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عامًا، بينهم 2900 طفل دون السن القانونية للعمل.

تعويض غياب المعيل

ويؤكد مختصون أن عمالة الأطفال، من منظور اقتصادي، تمثل آلية بقاء تلجأ إليها الأسر الفقيرة لتعويض غياب المعيل أو فقدان الدخل، حيث يتم إدخال الأطفال إلى سوق العمل في سن مبكرة لتوفير احتياجات يومية أساسية. إلا أن هذا الخيار، رغم ما يوفره من دخل محدود وفوري، يحمل كلفة اقتصادية باهظة على المدى الطويل.

ويرى الخبير الاقتصادي د. سمير الدقران أن تفشي عمالة الأطفال في غزة يرتبط بشكل مباشر بعدة عوامل اقتصادية، أبرزها فقدان المعيل نتيجة الحرب، وارتفاع معدلات البطالة بين البالغين، إلى جانب تراجع فعالية شبكات الحماية الاجتماعية، ما يدفع الأطفال إلى سد فجوة الدخل داخل الأسرة.

وأضاف لصحيفة "فلسطين" أنه في مواجهة الظاهرة، تبرز الحاجة إلى تدخلات اقتصادية عاجلة، تركز على دعم دخل الأسر من خلال المساعدات النقدية، وخلق فرص عمل للبالغين عبر برامج التشغيل المؤقت، بما يقلل من الاعتماد على عمل الأطفال.

وذكر أن المؤسسات الدولية تلعب دورًا محوريًا في الحد من الظاهرة، من خلال برامج التحويلات النقدية، ودعم الحماية الاجتماعية، وتمويل التعليم، إلى جانب تنفيذ مشاريع "النقد مقابل العمل" التي تستهدف تشغيل البالغين بدلًا من الأطفال.

المصدر / فلسطين أون لاين