قائمة الموقع

مضيق هرمز: أمريكا مفتوح.. إيران مغلق

2026-07-17T09:28:00+03:00
مضيق هرمز: أمريكا مفتوح.. إيران مغلق
فلسطين أون لاين

ثمة تناقض بين البيانات التي تصدرها القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) وبين بيانات الحرس الثوري والقادة الإيرانيين عن النقل البحري عبر مضيق هرمز؛ فالبيانات الأمريكية تصف المضيق بأنه "مفتوح"، وأن القوات الأمريكية تؤمن حرية الملاحة، وإيران ترد بأنه مغلق حتى إشعار آخر، وأن السفن التي لا تلتزم بقواعد الحرس الثوري ستتعرض للتهديد. وهذه الادعاءات المتناقضة هي ما تحتاج إلى التأمل.

بمراجعة تقارير هيئات النقل البحري الدولية، أو بيانات مراكز الدراسات ذات المصداقية، أو وسائل الإعلام الأقل انحيازًا، يمكن القول بأن المضيق مغلق بنسبة 70-75%، ومفتوح بنسبة 25-30%. ويمكن تسجيل الملاحظات التالية:
1- هناك ممرات بحرية في المضيق لا تزال تؤمنها القوات الأمريكية.
2- هناك شركات شحن بحري تقوم بتغيير مسارات سفنها أو تعليق رحلاتها.
3- بالقياس الكمي، فإن المعدل لعدد السفن التي كانت تعبر المضيق قبل الحرب هو في حدود 110 سفن تجارية، بينما يتراوح عدد السفن العابرة للمضيق، بعد اشتعال المواجهات الحالية، بين 6 سفن (في أيام المواجهات الشديدة) و30 سفينة في فترات التراخي - إلى حد ما - في المواجهات العسكرية.

والملاحظ أن تتبع حركة السفن العابرة يشير إلى أن أغلب هذه السفن تمر، حاليًا، من الممرات الجنوبية للمضيق، والتي هي ضمن المياه الإقليمية العُمانية، ولكن ضيق المضيق في بعض المناطق يؤدي إلى تداخل المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية، وهو ما يجعل السفن تستشعر الخطر في نقاط التداخل هذه. ومن هنا تحاول السفن استخدام الممرات البحرية العُمانية مع المخاطرة بعبور نقاط التداخل.

من جانب آخر، فإن سلطنة عُمان أنشأت ممرات بحرية ذات طبيعة مؤقتة، بعيدة بعض الشيء عن الممرات القديمة ونقاط التقاطع مع المياه الإقليمية الإيرانية، لكن هذه الممرات محدودة بفعل طوبوغرافية المضيق التي لا تسمح بالتوسع في هذا الجانب. ويبدو أن هناك مناقشات بين إيران وعُمان لتقسيم المضيق إلى ممرات إيرانية خالصة، وأخرى عُمانية خالصة، وهو ما يمكن اعتباره محاولة لتنشيط الجانب العُماني على حساب الجانب الإيراني.

ذلك يعني أن البيانات الأمريكية بخصوص مستويات العبور البحري في المضيق صحيحة بنسبة 25-30%، بينما البيانات الإيرانية صحيحة بنسبة 70-75%. وتتمثل المعضلة لطرفي الصراع في الآتي:
أ- لتزيد أمريكا الضغط على إيران، عليها أن توسع نطاق عملها العسكري، لكن ذلك ينتهي إلى تراجع أكبر لحرية العبور في المضيق بفعل تصاعد المخاطر. وقد أشرنا إلى أن معدل العبور يتراجع بنسبة تصل إلى 90-95% خلال أيام المواجهات الواسعة، وهو ما يعني أن الهدف الأمريكي لا يتحقق إلا بإيذاء مادي لإيران، لكنه ينتهي إلى تضييق وتراجع مستويات العبور الآمن للمضيق.
ب- من الجانب الإيراني، فإن جغرافية المضيق وسلاسل الجبال التي تُطل عليه تعطي الإيرانيين مساحة مناورة أكبر للإغلاق، لكن ذلك ينطوي على تحمل الخسائر المادية والبشرية الأكبر بسبب الضربات الأمريكية، وتضيق الخيارات الإيرانية إذا توسعت جبهة الدول (بخاصة من أوروبا) لمساندة السعي الأمريكي لفك الإغلاق الإيراني للمضيق.
ت- من الواضح، من الجانب القانوني، أن إيران تريد إعلاء مبدأ "المرور البريء"، بينما تريد الولايات المتحدة تغليب مبدأ "المرور العابر". فالمرور البريء يعطي الدولة الساحلية حق تنظيم المرور وفرض بعض القيود، بل وتعليقه مؤقتًا إذا اقتضت الضرورات الأمنية ذلك، بينما العابر لا يتضمن أيًّا من ذلك.

ث- يتمثل الرهان الأمريكي في الاعتقاد بأن استمرار الإغلاق الإيراني سيحفز دول العالم على الانضمام إلى أمريكا للضغط على إيران بسبب تداعيات الإغلاق على اقتصاديات هذه الدول، بينما تراهن إيران على أن تداعيات الإغلاق ستدفع إلى الضغط على قيادة الولايات المتحدة، داخليًا وخارجيًا، للإسراع في إيجاد مخرج سلمي للمشكلة، وهو ما تراهن عليه إيران.

الخلاصة:

كلا طرفي الصراع في مأزق من هذه الناحية تحديدًا، ولا أجد في تجدد المواجهة أية مفاجأة، فقد سبق ونشرت مقالًا، بعد توقيع مذكرة التفاهم مباشرة، بعنوان: "14 لغمًا" في الطريق، وها هي بدأت تتفجر. فالمصالح لأطراف الصراع كبيرة واستراتيجية، والثقة بين الطرفين معدومة تمامًا، والغواية بالكسب الكبير تجعل الطرفين أكثر تمسكًا بأهدافهما، وفشل أي منهما في تحقيق قدر معقول من الأهداف ستكون عواقبه وخيمة.

ويبدو أن الولايات المتحدة (ومعها إسرائيل) لم تتخلَّ عن غواية إسقاط النظام وحرمان إيران من توظيف المضيق استراتيجيًا، وبالمقابل فإن إيران ترى في انتصارها المأمول تحقيقًا لهدفها الاستراتيجي بأن تكون إيران، طبقًا لخطتها عام 2005، هي "مركز إقليم الشرق الأوسط" (The Core State of M.E)، ومن هنا ندرك العقدة الاستراتيجية التي تواجه الخليج للسنوات القادمة... ربما.

اخبار ذات صلة