قائمة الموقع

بين مدرجات الطب وغرف الطوارئ.. طالب امتياز صنعته الحرب وأنقذ 120 مصابًا في ليلة واحدة

2026-07-15T12:55:00+03:00
الطبيب فهمي الميدنة
فلسطين أون لاين

لم تكن سنوات دراسة الطب بالنسبة لفهمي الميدنة مجرد رحلة أكاديمية تنتهي بشهادة جامعية، بل تحولت مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة إلى اختبار يومي بين الحياة والموت. فمنذ الأيام الأولى للعدوان، ترك مقاعد الدراسة ليلتحق متطوعًا بأقسام الطوارئ، حيث وجد نفسه في مواجهة مئات الجرحى، يعمل تحت القصف، وفي ظل انقطاع الكهرباء وشح الإمكانات، ليكتسب خبرة ميدانية استثنائية جعلته، في إحدى أكثر الليالي دموية، الطبيب الوحيد المسؤول عن إسعاف 120 مصابًا وصلوا دفعة واحدة إلى المستشفى.

وعلى مدار نحو عامين من الحرب، تنقل الميدنة بين مستشفيات الشفاء والمعمداني وأصدقاء المريض، مساندًا الطواقم الطبية التي استنزفتها الحرب بعد استشهاد وإصابة واعتقال أعداد كبيرة من الكوادر الصحية. وبينما كان يواصل دراسة الطب ويستعد للتخرج، كانت غرف الطوارئ تتحول إلى قاعات تدريب حقيقية صقلته مهنيًا وإنسانيًا، في تجربة تركت أثرًا عميقًا في مسيرته وحياته.

الطبيب الوحيد أمام 120 مصابًا

لم يتخيل فهمي الميدنة، خلال فترة تطوعه في مستشفيات قطاع غزة، أن يجد نفسه الطبيب الوحيد في قسم الطوارئ، يعاونه أربعة ممرضين فقط، بينما تصل إلى المستشفى دفعة واحدة 120 إصابة جراء المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق المواطنين المنتظرين للمساعدات الإنسانية عند مفترق الكويت على شارع صلاح الدين، في مارس/آذار 2024.

في تلك اللحظات الحرجة، كما يروي، لم يكن أمامه سوى خيار واحد: إنقاذ أكبر عدد ممكن من المصابين. وكان يعمل حينها في المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" بمدينة غزة، بعد خروج مستشفيي الشفاء وكمال عدوان عن الخدمة.


 

ويقول لصحيفة "فلسطين": "أجريت التقييم الأولي للمصابين، وبدأت بالحالات الحرجة، ثم المتوسطة فالمستقرة. حُولت بعض الإصابات مباشرة إلى غرف العمليات، واستمر عملنا سبع ساعات متواصلة حتى انتهينا، وفي اليوم التالي حضر عدد من الأطباء لاستكمال علاج بقية المصابين."

ويضيف أن أشهر التطوع الأولى منذ اندلاع الحرب أكسبته خبرة عملية مكّنته من إدارة الحالات الطارئة واتخاذ قرارات سريعة تحت ضغط غير مسبوق.

ويواصل الميدنة، وهو طالب امتياز حاليًا، رحلته التي بدأت عام 2019 في الجامعة الإسلامية، وتخرج منها في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ضمن العشرة الأوائل على كلية الطب، مستندًا إلى تجربة ميدانية نادرة اكتسبها بين أقسام الطوارئ في مستشفيي الشفاء والمعمداني.

عمل لا يتوقف

يتحدث الميدنة عن بداية تطوعه قائلاً: "التحقت بمستشفى الشفاء منذ الأيام الأولى للحرب، وعملت في قسم الطوارئ، ولم أكن أغادر المستشفى إلا يومًا واحدًا كل أسبوع أو أسبوعين، إذ كنت أقضي معظم وقتي في إسعاف الجرحى ومساندة الطواقم الطبية."

وعايش الحصار الأول الذي فرضه الاحتلال على مستشفى الشفاء، وبعد خروجه عن الخدمة انتقل إلى المستشفى المعمداني، حيث كان واحدًا من أربعة أطباء فقط يعملون في قسم الطوارئ.


 

ويستذكر تلك المرحلة قائلاً: "تحملنا مسؤولية كبيرة، وكنا نعمل ليلًا ونهارًا دون توقف، إلى أن اقتربت قوات الاحتلال من المستشفى، فاضطررنا إلى إخلائه حفاظًا على الطاقم الطبي، وانتقلنا إلى مستشفى أصدقاء المريض لمدة أسبوعين، قبل أن نعود إلى مستشفى الشفاء بعد إعادة تشغيل بعض أقسامه."

وفي ظل الانقطاع الكامل للكهرباء ونقص الوقود وتعطل وسائل الاتصال، واصل الميدنة وزملاؤه العمل مستخدمين أضواء الهواتف المحمولة أثناء علاج المصابين وإجراء التدخلات الطبية العاجلة.

محطات قاسية

قبل أيام من الاجتياح الثاني لمستشفى الشفاء في مارس/آذار 2024، والذي شهد تدميرًا واسعًا وارتكاب مجازر داخل المستشفى ومحيطه، كان الميدنة قد توجه لزيارة عائلته في حي الشجاعية بعد انتهاء مناوبته، الأمر الذي أنقذه من الحصار، قبل أن يلتحق مجددًا بقسم الطوارئ في المستشفى المعمداني.

ففي يونيو/حزيران 2024، وأثناء زيارة أخرى لهم، استهدفت غارة إسرائيلية المنزل الذي كان يوجد فيه.


 

يروي تلك اللحظات قائلاً: "كنت في الطابق الثالث، وشاهدت الصاروخ يخترق الأسقف حتى وصل إلى الطابق الأول ثم انفجر."

ويتابع: "نزلت بعد الانفجار فوجدت الكارثة. كانت أختي الوحيدة وزوجها أشلاء، وأطفالهما مصابين، فيما استشهد أخي الأكبر وزوجته وابنته، وكذلك أخي الأصغر. لم تكن هناك سيارات إسعاف، فبدأت بإسعاف المصابين بنفسي."

ورغم هذه المأساة، واصل الميدنة تطوعه، بالتوازي مع استكمال دراسته الجامعية، متنقلًا بين المستشفيات ومراكز النزوح، قبل أن يعود إلى مقاعد الدراسة في يونيو/حزيران 2024.

بين الامتحان والقناصة

ومع اقتراب تخرجه نهاية عام 2025، شن الاحتلال عملية عسكرية واسعة على مدينة غزة، أجبرت آلاف السكان على النزوح، إلا أن الميدنة قرر البقاء في المدينة لمواصلة عمله في مستشفى الشفاء.

وأثناء توجهه لتقديم امتحانه النهائي في كلية الطب، انطلق من مستشفى أصدقاء المريض بحي الرمال باتجاه مستشفى الحلو الدولي، لكن قناصًا إسرائيليًا متمركزًا في أحد المباني المطلة على شارع الصناعة أطلق رصاصة مرت بمحاذاة رأسه.

ويقول: "كانت لحظة صادمة، لكنني نجوت، وأكملت طريقي لتقديم الامتحان، ثم عدت إلى المستشفى لاستكمال عملي."

وعندما يُسأل عن أصعب ما مر به خلال الحرب، لا يتحدث عن إصابته أو فقدان أفراد من عائلته، بل يستعيد مشهدًا لا يفارق ذاكرته.

يقول: "كنت مناوبًا عند الساعة الواحدة فجرًا، ووصلت مركبة محملة بالأطفال. عندما فتحت صندوقها، بدا الأطفال وكأنهم نائمون، لكنهم كانوا شهداء، تتراص أجسادهم فوق بعضها. كان عليّ أن أوثق بياناتهم تمهيدًا لتكفينهم."

ويضيف أن تلك الصورة ما زالت محفوظة في هاتفه، وترافقه كلما عاد إليها، باعتبارها واحدة من أكثر المشاهد قسوة التي عاشها خلال عمله في أقسام الطوارئ طوال الحرب.

اخبار ذات صلة