بينما كان أقرانه في الخامسة من العمر يستعدون لطيّ صفحة عامهم الأول في رياض الأطفال، حاملين رسوماتهم ودفاترهم وأحلامهم الصغيرة بالانتقال إلى مرحلة جديدة، كان الطفل مصطفى أحمد عابد يعيش عامًا مختلفًا تمامًا؛ عامًا بين غرف العمليات والضمادات والأدوية وجلسات العلاج، بعدما تحولت طفولته في لحظة واحدة إلى رحلة نجاة من مجزرة فقد فيها عائلته بالكامل.
لم يكن عام مصطفى الأول في الروضة عامًا للعب واكتشاف الحروف، بل عامًا لمحاولة ترميم جسد صغير أثقلته الشظايا، وذاكرة طفل شهد لحظة فقد فيها والده ووالدته وشقيقته، وبقي وحده يحمل آثار تلك الليلة التي غيرت حياته إلى الأبد.
قبل عام، كان والده أحمد مصطفى عابد (30 عامًا) يوقظه كل صباح، يساعده في ارتداء حقيبته الصغيرة، ويوصله إلى الروضة في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، ثم ينتظره عند انتهاء الدوام ليعيده إلى المنزل. كان يحلم، كما يحلم كل أب، بأن يرى ابنه يكبر ويتعلم ويشق طريقه في الحياة.
لكن ذلك الحلم انتهى فجر 28 يوليو/تموز 2025، عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، عندما استهدفت طائرة إسرائيلية مسيرة غرفة واحدة داخل منزل العائلة المكون من أربعة طوابق، رغم أن المنزل كان قد تعرض للقصف سابقًا.
في تلك الغرفة كانت الأسرة تنام بهدوء؛ الأب أحمد، والأم أفنان حسن حمدان (28 عامًا)، والطفلة تهاني (عامان)، والطفل مصطفى.
وخلال ثوانٍ، تحولت الغرفة إلى ركام ودماء، وتناثرت ألعاب الأطفال بين الأنقاض، بينما اخترقت الشظايا أجساد أفراد الأسرة، فاستشهد الأب والأم والطفلة الصغيرة، فيما خرج مصطفى من تحت الركام حيًا، لكنه حمل في جسده آثار تلك الليلة.
الناجي الوحيد
كان مصطفى الناجي الوحيد والشاهد الوحيد على ما حدث. وصل إلى المستشفى وهو ينزف من مناطق عدة في جسده، وقد استقرت شظايا في رأسه وبطنه، فيما أصيبت يده اليمنى إصابة بالغة بعد قطع أحد الشرايين وتضرر العصب الرئيسي، إضافة إلى كسر في العضد وإصابات متفرقة أخرى.
وأجرى الأطباء تدخلات عاجلة لإنقاذ حياته، شملت إغلاق الثقوب الناتجة عن الشظايا في البطن، لكنهم اضطروا إلى ترك بعضها داخل جسده، خشية أن يؤدي استخراجها إلى مضاعفات تهدد حياته.
بعد مرور عام كامل، ما تزال شظايا الحرب مستقرة في رأس مصطفى وبطنه، فيما لم تستعد يده اليمنى قدرتها على الحركة بصورة طبيعية. ويحتاج الطفل إلى عمليات جراحية دقيقة وبرنامج تأهيل طويل لاستعادة أكبر قدر ممكن من وظائف يده.
لكن معاناة مصطفى لا تتوقف عند إصاباته الجسدية؛ ففي كل صباح يحمل حقيبته المدرسية كما كان يفعل قبل المجزرة، لكن اليد التي كانت تمسك بيده لم تعد موجودة.
اليوم، أصبح جده ووصيه القانوني، مصطفى أحمد عابد، هو من يرافقه إلى الروضة ويتابع علاجه.
يقول الجد لـ"فلسطين": "أحمد كان يحب مصطفى كثيرًا، كان يوصله كل صباح، وينتظره عند الباب حتى لا يتركه دقيقة واحدة وحده. كان يقول لي: بدي أشوفه يكبر ويتعلم ويصير أحسن مني."
يصمت قليلًا ثم يضيف: "بعد استشهاد أحمد شعرت أن واجبي ألا يموت حلمه أيضًا. أصبحت أنا من آخذه إلى الروضة وأعيده إلى البيت، وأحيانًا كنت أخرجه من المستشفى إلى الروضة مباشرة حتى لا يشعر بأنه مختلف عن بقية الأطفال."
ويؤكد أن العام الدراسي لم يكن سهلًا على حفيده، إذ كان يتنقل بين مواعيد العلاج وآلام الإصابة وذكريات الفقد، بينما حاول أفراد العائلة والمعلمون منحه بعض الإحساس بالحياة الطبيعية.
ورغم صغر سنه، يدرك مصطفى أن والده ووالدته وشقيقته أصبحوا في الجنة، لكنه لا يزال يسأل عنهم في تفاصيل حياته اليومية.
ويقول الجد: "كلما رأى طفلًا مع والده ينظر إليه طويلًا. أحيانًا يسألني: لو كان بابا موجودًا، هل كان سيأتي ليأخذني؟ لا أجد جوابًا يخفف عنه هذا الوجع."
العلاج المؤجل
لا تزال معاناة مصطفى مستمرة رغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار، إذ ينتظر فرصة للعلاج خارج قطاع غزة، شأنه شأن آلاف الجرحى الذين يحتاجون إلى تدخلات طبية غير متوفرة داخل القطاع.
ويقول الجد إن انهيار المنظومة الصحية، ونقص المعدات والأدوية، والقيود المفروضة على سفر المرضى، جعلت رحلة العلاج أكثر صعوبة.
ويؤكد الأطباء أن الطفل يحتاج إلى عمليات متخصصة لإزالة الشظايا من الرأس والبطن، إضافة إلى جراحة دقيقة لإصلاح إصابة اليد اليمنى، يتبعها برنامج طويل للعلاج الطبيعي والتأهيل.
ويقول الجد: "كل يوم يمر أخاف أن تقل فرص علاج يده. الأطباء أخبرونا أن الوقت مهم جدًا، لكننا ما زلنا ننتظر فرصة للسفر. الحرب توقفت، لكن بالنسبة للجرحى لم تتوقف المعاناة."
ويعيش الجد وحفيده اليوم في منزل مستأجر بمخيم المغازي، بعدما فقدت الأسرة منزلها وأفرادها في ليلة واحدة، ليصبح الجد أبًا وأمًا في الوقت نفسه؛ يرافق مصطفى إلى المستشفى، ويتابع علاجه، ويجلس بجواره عندما توقظه الكوابيس.
ويقول: "أحيانًا يستيقظ مذعورًا من النوم، يبكي ويخاف من أصوات الطائرات. أحاول أن أطمئنه، لكن هناك أشياء لا يستطيع طفل في عمره أن ينساها."
وبالرغم من كل ما مر به، يحاول مصطفى التمسك بما تبقى من طفولته؛ يرسم، ويلعب عندما تسمح له إصاباته، ويحفظ أناشيد الروضة، ويبتسم أحيانًا، لكن ابتسامته لا تخفي حقيقة أن جسده لا يزال يحمل آثار الحرب.
قصة مصطفى ليست حالة منفردة، بل واحدة من آلاف قصص الأطفال الجرحى في قطاع غزة، الذين نجوا من القصف لكنهم يخوضون اليوم معركة أخرى من أجل العلاج والشفاء. فبالنسبة لهم، لم تنته الحرب بانتهاء الغارات، إذ ما تزال آثارها عالقة في أجسادهم وذكرياتهم.
ومع انتهاء عامه الأول في الروضة، وقف مصطفى أمام بابها ممسكًا حقيبته بيده اليسرى، بينما بقيت يده اليمنى عاجزة عن حملها كما يفعل بقية الأطفال. خرج برفقة جده، لا والده الذي كان يحلم بمرافقته في كل عام دراسي جديد.
رحل الأب، وغابت الأم، واستشهدت الأخت الصغيرة، لكن بقي طفل في الخامسة يحمل في رأسه وبطنه شظايا لم تُنتزع بعد، وفي ذاكرته ليلة لم تغادره، منتظرًا علاجًا قد ينقذ ما تبقى من جسده، ويمنحه فرصة لاستعادة طفولة سرقتها الحرب