قائمة الموقع

على خطى الشهيد.. غيداء عرفات تواصل رسالة شقيقها الإنسانية في مستشفيات غزة

2026-07-14T10:43:00+03:00
غيداء خلال تقديم العلاج لطفل مصاب
فلسطين أون لاين

لم يكن اختيار غيداء عرفات دراسة التمريض قرارًا فرضه تفوقها الدراسي، بل كان وفاءً لوصية شقيقها الأكبر خالد، الذي آمن بأن التمريض رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة. وبعد استشهاده في أثناء محاولته إنقاذ أحد زملائه خلال اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي، وجدت غيداء نفسها تحمل الراية التي تركها، لتواصل رسالته في إنقاذ الجرحى والمرضى وسط حرب دمّرت المستشفيات والمنازل، لكنها لم تستطع أن تنتزع منها إيمانها بواجبها الإنساني.

حين أنهت غيداء الثانوية العامة بمعدل 96%، كانت أمامها خيارات جامعية متعددة، إلا أن كلمات شقيقها خالد، الذي كان يستعد آنذاك للتخرج في جامعة الأقصى متخصصًا في التمريض العام، حسمت قرارها.

قال لها يومها: "التمريض ليس مجرد مهنة، بل رسالة إنسانية، وقد يأتي يوم يكون فيه الممرض الفارق بين الحياة والموت". ولم تكن تدرك أن تلك الكلمات ستصبح عهدًا يربطها بشقيقها، وأنها ستكمل الطريق الذي بدأه وانتهى به شهيدًا داخل مجمع الشفاء الطبي.

أنهت غيداء دراسة البكالوريوس في التمريض خلال أربع سنوات، والتحقت بالمهنة التي أحبها خالد، لكنها وجدت نفسها تعمل في ظروف استثنائية فرضتها الحرب، إذ لم تعد المستشفيات أماكن للعلاج فقط، بل ساحات مواجهة يومية مع الموت ونقص الإمكانات.

ومع الساعات الأولى لاندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، التحق خالد بمجمع الشفاء الطبي، أكبر مستشفيات قطاع غزة، ليكون ضمن الطواقم الطبية التي واجهت واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية والصحية التي شهدها القطاع.

كان المستشفى يستقبل مئات الشهداء والجرحى يوميًا، فيما كانت غرف العمليات تعمل بلا توقف، وسط نقص حاد في الكوادر الطبية والأدوية والمستلزمات العلاجية، نتيجة القيود المفروضة على إدخالها إلى القطاع.

وتستعيد غيداء تلك الأيام بقولها لصحيفة "فلسطين": "كان شقيقي بالكاد يغادر المستشفى، إذ كان يعمل أحيانًا أربعًا وعشرين ساعة متواصلة، لا يترك المرضى والمصابين، حتى أصبح وجوده بينهم جزءًا من حياته اليومية".

ومع اشتداد الحصار على شمال قطاع غزة، لم تعد معركة الطواقم الطبية تقتصر على إنقاذ المصابين، بل امتدت إلى مواجهة الجوع والإرهاق.


 

وتروي أن خالد عاش المجاعة كما عاشها آلاف الفلسطينيين، وكان يواصل عمله رغم الجوع الشديد، حتى إنه كان يلجأ أحيانًا إلى محاليل التغذية الوريدية خلال فترات الراحة القصيرة ليستعيد قدرته على الوقوف ومواصلة إسعاف الجرحى.

واستمر في أداء رسالته حتى اجتاحت قوات الاحتلال مدينة غزة، وفرضت حصارًا مشددًا على مجمع الشفاء الطبي، قبل أن تقتحمه وتدمر أجزاء واسعة منه.

وفي خضم القصف وإطلاق النار، أصيب أحد زملائه بجروح خطيرة، فعاد خالد لإنقاذه رغم إدراكه لحجم المخاطر، لكنه استشهد إلى جانب زميله بينما كان يؤدي واجبه الإنساني للمرة الأخيرة.

وتقول غيداء إن استشهاد شقيقها لم يكن نهاية حكايته، بل بداية مسؤولية جديدة بالنسبة لها.

وتضيف: "بعد استشهاد خالد لم أفكر يومًا في ترك التمريض، بل شعرت أن عليّ مواصلة الطريق الذي اختاره، وأن أكون امتدادًا للرسالة التي عاش واستشهد من أجلها".

بعد تخرجها، التحقت غيداء بالعمل في المستشفيات، لتجد نفسها أمام المشاهد نفسها التي طالما وصفها لها شقيقها؛ أقسام مكتظة بالمصابين، وإمكانات شحيحة، وأعداد متزايدة من الجرحى، فيما يواصل من تبقى من الطواقم الطبية العمل بأقصى طاقتهم.

وتؤكد أن أكثر المواقف التي تركت أثرًا في نفسها كانت لطفلة لم تتجاوز التاسعة من عمرها، وصلت إلى المستشفى بعد استهداف منزل عائلتها.

وتقول: "كانت الناجية الوحيدة من أسرتها. فقدت ساقيها، وأصيبت يداها بجروح بالغة، وكانت تنادي على والدتها دون أن تعلم أنها استشهدت مع بقية أفراد العائلة. احتاجت إلى علاج مكثف وإمكانات لم تكن متوفرة في تلك اللحظة".

وتشير إلى أن الطفلة لم تكن تبكي من الألم بقدر ما كانت تبحث بعينيها عن أحد من أفراد أسرتها، وهو مشهد ما زال يرافقها حتى اليوم، ويجسد بالنسبة إليها حجم المأساة التي يعيشها أطفال غزة، وحدود العجز الذي تواجهه الطواقم الطبية مع نقص الإمكانات.

وبالرغم من المخاطر اليومية، لم تفكر غيداء في التراجع عن أداء واجبها.


 

وتقول: "في كل مرة أغادر فيها المنزل إلى عملي، أشعر أن احتمال عودتي مصابة أو شهيدة أكبر من عودتي سالمة، لكن ذلك لم يكن سببًا للخوف، بل دافعًا لأن أبقى إلى جانب أبناء شعبي الذين تعرضوا للإبادة وما زالوا يعيشون آثارها".

ولم تكن بعيدة عن آثار الحرب على حياتها الشخصية؛ فهي من سكان حي الزيتون جنوب مدينة غزة، وقد دُمر منزلها بالكامل، كما دُمرت منازل أقاربها، لتصبح واحدة من آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم واضطروا إلى النزوح.

وتؤكد أن فقدان المنزل لم يغيّر قناعتها برسالتها الإنسانية، قائلة: "دُمّر بيتنا وتحولت أحياء كاملة إلى ركام، لكن ذلك لم يزدنا إلا إصرارًا على الاستمرار. قد نخسر منازلنا، لكن لا يجوز أن نخسر إنسانيتنا أو واجبنا تجاه من يحتاج إلينا".

وبعد أكثر من ألف يوم من الحرب، لم تعد غيداء ترى نفسها مجرد ممرضة تؤدي عملها داخل المستشفى، بل شاهدة على واحدة من أقسى المحطات التي مر بها القطاع الصحي في غزة، وحاملة لوصية شقيق ظل مخلصًا لرسالته الإنسانية حتى آخر لحظة من حياته.

اخبار ذات صلة