قائمة الموقع

القائد محمد الضيف.. "الشبح" الذي حير الاحتلال لـ 3 عقود ورجل التحولات الكبرى

2026-07-14T08:54:00+03:00
الشهيد القائد محمد الضيف
فلسطين أون لاين

لم يكن الشهيد محمد الضيف قائدًا عسكريًا تقليديًا، بل كان رجلًا كرس حياته بالكامل للمقاومة، وعاش مطاردًا لعقود دون أن يغير ذلك من قناعاته، أو يتراجع عن طريقه. اتسمت شخصيته بالتواضع والزهد والابتعاد عن الأضواء، مفضلا أن تتحدث إنجازاته الميدانية عنه، التي بلغت ذروتها بـ "طوفان الأقصى".

صباح 13 يوليو/ تموز 2024 دوت أصوات أحزمة نارية بمنطقة المواصي غرب محافظة خان يونس، ووصلت طائرات الاحتلال إلى المطارد الأول بعد ثلاثة عقود قارع خلالها الاحتلال ونقل المقاومة من مجموعات صغيرة تضم عشرات الأفراد إلى هيئة أركان تضم عشرات الآلاف، ليقودهم في هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لإسقاط فرقة غزة في جيش الاحتلال في أكبر هجوم عسكري تنفذه حركة مقاومة في العصر الحديث صدم دولة الاحتلال وغير وجه المنطقة، وفي 30 يناير/ كانون الثاني 2025، نعت كتائب القسام رسمياً الشهيد القائد محمد الضيف.

في 12 آب/ أغسطس عام 1965، بزغ نور الضيف واسمه الحقيقي محمد دياب المصري، في مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين، جنوبي قطاع غزة، وسمي بالضيف لأنه "لا يستقر في مكان".

عاشَ حياة اللجوء بين أزقة المخيم، فكبر على معاناة التهجير التي عاشتها عائلته بعيدًا عن قريته "كوكبا" المحتلة، حصل الضيف على درجة البكالوريوس في العلوم (الأحياء) عام 1988 من الجامعة الإسلامية في غزة.

انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين قبل تأسيس حركة حماس، وبدأ طريق المساجد مبكرًا فشكلت مساجد: بلال، وفلسطين، والشافعي، بيئة ترعرع فيها وصقلت شخصيته، عرف بذكائه الكبير منذ طفولته، وبأنه شخصية هادئة يحب مساعدة الآخرين واحترام الكبير، كثير العمل والعطاء، ثم انتقل للعمل العسكري مع تأسيس كتائب القسام، إذ ارتبط اسمه مبكراً بالقائد العام صلاح شحادة، أحد مؤسسي الجهاز العسكري للحركة.

عام 1989 تعرض الضيف للاعتقال لمدة 16 شهرا دون محاكمة بتهمة الانتماء للجهاز العسكري لحماس، كذلك اعتقلته السلطة عام 2000، ومع اندلاع انتفاضة الأقصى تمكن من الفرار.

في عهد الضيف، تحولت كتائب القسام من مجموعات صغيرة إلى أشبه بجيش منظم يمتلك مسيرات وأنفاقا وصواريخ تطورت من صاروخ القسام 1، الذي لم يكن مداه يتجاوز بضعة كيلومترات، إلى صواريخ بنماذج ومديات كبيرة وصلت لحوالي 220 مترا بصاروخ "عياش" 250 كم الذي قصفت به كتائب القسام مطار رامون، وقصف نحو 5 آلاف صاروخ دفعة واحدة صباح يوم 7 أكتوبر في أكبر رشقة صاروخية تطلق على دولة الاحتلال هدفت لتثبيت المطارات والمواقع العسكرية الإسرائيلية، وتلاها رشقات صاروخية يومية استمرت لعدة أشهر ردا على الإبادة الإسرائيلية.

ظاهرة أمنية

لم تكن العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وفق المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج ترى في الضيف مجرد قائد عسكري، بل ظاهرة أمنية فريدة انطوت على أبعاد استراتيجية خطيرة، وبينما كان القادة يتغيرون كان الضيف باقيا ما جعله رمزا لقصور القدرة الاستخباراتية وعجزها.

ويقول الحاج لصحيفة "فلسطين": "بالنسبة للاحتلال الضيف هو الشخص الذي نقل المقاومة الفلسطينية من نمط الخلايا المحلية الصغيرة الى أشبه بالجيش المنظم الذي يملك الصواريخ والمسيرات والأنفاق الاستراتيجية فضلا عن عقيدة قتالية فريدة، وبعد أن نجا من الكثير من محاولات الاغتيال، الأمر الذي حوله إلى "شبح" في الوعي الجمعي لمنظومة الاحتلال وجعل من بقائه حيا بمنزلة تهديد متدحرج ومستمر".

وأضاف أن النظرة الإسرائيلية للضيف تباينت خاصة بين النخب الأمنية والسياسية، فأطلق عليه الكثير من الأوصاف منها ما هو أسطوري كـ "طائر الفينيق أو ذو الأرواح السبعة"، الأمر الذي كان يعكس اعترافا بفشل التقديرات الأمنية بشأن كل ما تعلق به.

 

محطات مفصلية

ويروي القيادي الدكتور محمد المدهون بأن مسيرة الشهيد القائد محمد الضيف امتدت منذ نهاية انتفاضة الحجارة حتى ارتقائه، وكانت مليئة بالمحطات المفصلية التي عكست تطور العمل المقاوم في قطاع غزة والضفة الغربية.

ويقول المدهون لصحيفة "فلسطين": إن "الضيف بدأ حياته مطاردًا، في ظروف شديدة القسوة، مع مجموعة صغيرة من المقاومين وبإمكانات عسكرية ومالية شبه معدومة، لكنه استطاع رغم ذلك أن يواصل عمله، وانتقل لاحقًا إلى الضفة الغربية والقدس، إذ خاطر بحياته وأسهم في تأسيس خلايا مقاومة صغيرة كان لها دور بارز في العمل الاستشهادي خلال انتفاضة الأقصى.

وأضاف أن الضيف عاد بعد ذلك إلى قطاع غزة، وكانت بنية المقاومة آنذاك لا تتجاوز مجموعات صغيرة تضم عشرات الأفراد في أفضل الأحوال، إلا أن مرحلة انتفاضة الأقصى شكلت نقطة تحول مهمة في مسيرته، رغم ما تعرض له من ملاحقة وحصار وإقامة جبرية، حيث ظل عنوانًا للإصرار على الثبات والمقاومة.

وأشار المدهون إلى أن اغتيال القائد يحيى عياش شكّل محطة مفصلية، وكان الضيف من أبرز من قادوا عمليات الرد والثأر المقدس، وهي العمليات التي أحدثت صدمة كبيرة داخل الاحتلال، وأفضت إلى عقد مؤتمر شرم الشيخ لمحاولة القضاء على حركة حماس، معتبرًا أن تلك المرحلة كانت من أقسى المحطات التي واجهها الضيف.

وبيّن أن التحول الأكبر بدأ مع القائد الشيخ صلاح شحادة، إذ انتقلت المقاومة من العمل ضمن مجموعات محدودة العدد والتسليح إلى مرحلة أكثر تنظيمًا وانتشارًا، ورغم استشهاد شحادة عام 2002، فإن البناء التنظيمي الذي استمر بعد عام 2004 أفرز تشكيلات عسكرية موزعة على مختلف المناطق، واتسعت قدراتها بصورة متسارعة، الأمر الذي أسهم في تعاظم قوة المقاومة، وصولًا إلى اندحار الاحتلال عن قطاع غزة.

وتابع أن مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي ثم فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية وفرت بيئة أكثر استقرارًا لنمو العمل المقاوم، مما أدى لتطور نوعي للمقاومة.

وأكد المدهون أن عملية السابع من أكتوبر تمثل الحدث الأكبر في تاريخ المنطقة الحديث، بل من أبرز الأحداث التي تركت أثرًا عالميًا، معتبرًا أنها ستبقى محطة تاريخية ارتبطت باسم محمد الضيف، وستبقى حاضرة في التاريخ.

وكما فاجأ الطوفان قادة الاحتلال، مثل مفاجأة للأسرى الفلسطينيين خاصة أصحاب الأحكام العالية، وبفعل أسر القسام لعشرات الجنود الإسرائيليين أفرج الاحتلال مقابلهم عن مئات أسرى الأحكام العالية والمؤبدات، ومن بينهم الأسير عمار الزبن من مدينة نابلس وهو محكوم بالسجن 27 مؤبدًا و19 سنة، أمضى منها 26 سنة في سجون الاحتلال.

ويقول الزبن لـ"فلسطين": "لكوننا مؤمنين بحتمية النصر، لم نفقد يوماً الأمل بقدوم لحظة تحررنا، وقد كنا طوال فترة الأسر نثق بالله اولاً ثم بمقاومة شعبنا واخلاص قادتنا لقضيتنا، ولا شك بأن الطوفان كان مفاجئاً إلى درجة أذهلتنا، تجاوزت حدود حريتنا إلى رؤية بداية النهاية الفعلية للاحتلال، هذا الشعور المزدوج ! شعر به أغلب الأسرى".

ويرى أن شخصية الضيف والدور الذي لعبته في الصراع مع الاحتلال، تقف بقوة إلى جانب شخصية عبد الرحيم الحاج محمد القائد العسكري للثورة الفلسطينية الكبرى (1936) ، وعبد القادر الحسيني ،لتجاوزها الحيز النظري الى صناعة الفعل النوعي .

ويلفت الزبن أن بروز اسم الضيف، كان في عنايته بملف تحرير الأسرى وتنظيمه لمجموعات عديدة في القدس ( على وجه التحديد) التي حاولت في أعوام (93, 94, 95) أسر جنود وكان أبرزها عملية أسر الجندي نحشون فاكسمان التي أعلن بنفسه عنها، وبدء المفاوضات من غزة، حيث "التقينا ببعض الأسرى الذين كانوا على اتصال بالضيف بهذا الشأن وغيرهم من المجموعات"

اخبار ذات صلة