لم تكن عودة الأسير المحرر أحمد دبابش إلى عمله ممرضًا في مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة يومًا عاديًا. فبعد 14 شهرًا قضاها في غياهب سجون الاحتلال، وجد أن المستشفى الذي غادره قبل اعتقاله لم يعد كما كان، إذ تحولت أكبر منشأة طبية في قطاع غزة إلى مبانٍ مدمرة وأقسام متوقفة عن العمل.
وتعرض مجمع الشفاء الطبي، أكبر المرافق الصحية في قطاع غزة، لعدوانين عسكريين واسعين نفذهما جيش الاحتلال خلال حرب الإبادة الجماعية على القطاع، رافقهما حصار مشدد واستهداف مباشر لمرافقه، إلى جانب اعتقال عدد من أفراد الطواقم الطبية والمرضى، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الخدمات الصحية التي كان يقدمها.
وجاء الاقتحام الأول في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عقب حصار استمر عدة أيام، حيث اقتحمت قوات الاحتلال أقسام المستشفى ونفذت عمليات تفتيش واسعة، تخللتها أعمال تدمير للبنية التحتية واحتجاز مرضى ونازحين.
أما الاقتحام الثاني، فبدأ في منتصف مارس/آذار 2024 واستمر أسبوعين كاملين، وأسفر عن دمار هائل في المباني والأقسام الطبية، ما أدى إلى خروج مجمع الشفاء عن الخدمة بشكل كامل.
إعادة الحياة
يتجول دبابش بين أروقة المستشفى الذي أمضى فيه سنوات من عمله، ليرى آثار الدمار في كل زاوية، إلى جانب النقص الحاد في الأجهزة والأدوية والمستلزمات الطبية التي يحتاجها الأطباء والممرضون لإنقاذ حياة الجرحى والمرضى.
ورغم ذلك، يقول دبابش لمراسل صحيفة "فلسطين": "كانت العودة إلى العمل رسالة صمود، ومحاولة للمساهمة في إعادة الحياة إلى ما تبقى من المنظومة الصحية المنهكة."
ويؤكد أن استهداف مجمع الشفاء وتدميره ضاعف معاناة الطواقم الطبية والمرضى على حد سواء، في ظل استمرار الضغط الهائل على المستشفى بعد أشهر طويلة من الحرب والدمار.
لكن رحلة العودة إلى المستشفى لم تكن المحطة الأصعب في حياته؛ فقد سبقها اعتقال قاسٍ استمر 14 شهرًا، قضى منها ستة أشهر في معتقلات جيش الاحتلال، وثمانية أشهر في سجن "النقب"، تعرض خلالها، وفق قوله، لمختلف أشكال التعذيب وسوء المعاملة والعزل.
ويصف دبابش أصعب مراحل الاعتقال بأنها كانت داخل سجن "عوفر"، حيث كان الأسرى يُحتجزون داخل أقفاص وزنازين مغلقة، لا يرون فيها سوى أبواب حديدية موصدة.
ويضيف: "رغم التعذيب الذي تعرضنا له في مراكز الاعتقال العسكرية، فإن العزل داخل سجن 'عوفر' كان الأقسى نفسيًا، إذ كنا ما بين 18 و20 أسيرًا داخل أقفاص مغلقة، لا نرى فيها سوى الجدران والأبواب الحديدية."
ويستعيد دبابش تفاصيل اعتقاله في 21 ديسمبر/كانون الأول 2023، عندما كانت عائلته نازحة في مدرسة عبد الملك بن مروان بمدينة غزة، قائلًا إن قوات الاحتلال حاصرت المدرسة منذ ساعات الفجر، وأطلقت النار بكثافة بواسطة طائرات "كواد كابتر" المسيّرة على كل من حاول التحرك، قبل أن تأمر الرجال بخلع ملابسهم والتوجه إلى مسجد التقوى، حيث عُصبت أعينهم وقُيدت أيديهم، ثم نُقلوا إلى مراكز التحقيق.
ويتابع أن التحقيقات ركزت على انتزاع معلومات تتعلق بالمقاومة والأسرى الإسرائيليين، تحت وطأة التعذيب والضرب والإهانات، قبل نقله بين عدة معتقلات، عاش فيها ظروفًا قاسية من الجوع والعطش والحرمان من النوم وسوء المعاملة.
رسالة إنسانية
ورغم قسوة الاعتقال، لم يتخلَّ دبابش عن رسالته الإنسانية كممرض داخل السجون، مؤكدًا أن الأطباء والممرضين الأسرى أدوا دورًا مهمًا في تقديم الرعاية الصحية للمعتقلين، لا سيما في سجن "النقب"، حيث قدموا تدخلات طبية أولية بالإمكانات المحدودة، وعالجوا البثور والجروح، ووزعوا الأدوية وخافضات الحرارة على الأسرى الأكثر حاجة، رغم شحها وصعوبة الحصول عليها، إلى جانب تقديم الإرشادات الطبية للحفاظ على النظافة الشخصية والحد من انتشار الأمراض.
ويحذر دبابش من تفشي الأمراض المعدية داخل السجون، وعلى رأسها مرض الجرب، مؤكدًا أن إدارة السجون كانت تنقل الفرشات والأغطية بين المعتقلات، ما ساهم في انتقال العدوى بين الأسرى على نطاق واسع، وظهور التهابات جلدية وارتفاع في درجات الحرارة لدى أعداد كبيرة منهم.
غير أن الصدمة الأكبر كانت بانتظاره خارج أسوار السجن. فبعد الإفراج عنه، علم أن الاحتلال دمر منزله خلال الحرب، وأن زوجته وابنته "غنى" استشهدتا في قصف استهدف مدرسة الهدى بحي الشيخ رضوان، حيث كانتا نازحتين.
ويشير إلى أنه لم يكن يعلم شيئًا عن مصير عائلته طوال فترة اعتقاله، إذ مُنع الأسرى من التواصل مع العالم الخارجي أو معرفة ما يجري في غزة.
ويقول: "خرجت من السجن وأنا أحلم بالعودة إلى منزلي واحتضان أسرتي، لكنني وجدت منزلي ركامًا، وقد رحلت زوجتي وابنتي، وأصبحت أعيش مع ابنتي ونجلي في مدرسة حكومية بعد أن نزحنا إليها."
ورغم هذا الفقد الكبير، اختار دبابش أن يعود سريعًا إلى عمله في مجمع الشفاء الطبي، مؤمنًا بأن إنقاذ حياة الآخرين هو السبيل الوحيد لمواجهة الألم الذي يحمله، ورسالة لا بد أن تستمر مهما بلغت التضحيات.

