فلسطين أون لاين

ماذا أعددت لها؟

حين جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يسأله: "متى الساعة؟" لم يكن جواب النبي ﷺ تحديدًا لزمانها، ولا حديثًا عن علاماتها، بل نقل السائل من فضول المعرفة إلى مسؤولية العمل، وقال له: "ماذا أعددت لها؟". بهذا الجواب الموجز وضع النبي ﷺ قاعدة عظيمة في تربية المسلم؛ فالقضية ليست أن تعرف متى يأتي الحدث، وإنما أن تكون مستعدًا له حين يأتي.

وهذه القاعدة لا تقتصر على يوم القيامة، وإن كانت هناك تتجلى بأعظم صورها، بل تمتد لتكون منهجًا شاملًا في حياة المسلم كلها. فالإنسان يعيش بين محطات متعاقبة، وكل محطة تحتاج إلى إعداد. هناك إعداد للعبادة، وإعداد للعلم، وإعداد للدعوة، وإعداد للأسرة، وإعداد للمسؤوليات، وإعداد للمحن والابتلاءات، بل حتى للموت الذي لا يعرف أحد متى يطرق بابه.

ولعل من السنن التي غابت عن حياة كثير من المسلمين اليوم سنة التحضير. فكثيرون يعيشون يومهم بردود الأفعال، ويتركون الظروف هي التي تحدد مسارهم، بينما يدعو الإسلام إلى أن يكون المؤمن صاحب رؤية، يعرف غايته، ويرتب أولوياته، ويهيئ نفسه لما هو قادم. فالقرآن والسنة يربيان المسلم على الأخذ بالأسباب قبل انتظار النتائج، وعلى البناء قبل الحصاد، وعلى الزرع قبل القطاف.

والتحضير في المفهوم الإسلامي ليس مجرد تخطيط إداري أو مهارة تنظيمية، بل هو عبادة إذا اقترن بالإخلاص وحسن القصد. فحين يخطط المسلم لحفظ القرآن، أو لإعداد بحث علمي، أو لتربية أبنائه، أو لخدمة أمته، أو لتطوير أدواته في الدعوة والعمل، فإنه يمارس صورة من صور الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها. ومن الخطأ أن يتصور بعض الناس أن التخطيط ينافي التوكل، أو أن الإعداد يتعارض مع الاعتماد على الله؛ فالتوكل الحقيقي يجمع بين بذل السبب وتفويض النتيجة إلى الله تعالى.

ومع ذلك، ينبغي أن يبقى التحضير خادمًا للإخلاص لا منافسًا له. فقد يبالغ الإنسان في رسم الخطط حتى يصبح أسيرًا لها، فإذا تغيرت الظروف اضطرب وتوقف. والمؤمن يعلم أن التخطيط وسيلة، أما تدبير الأمور فهو بيد الله وحده. ولذلك يعيش بين حسن الإعداد وحسن التسليم؛ يعد ما يستطيع، ثم يرضى بما يقدره الله. وهذه المعادلة هي التي تمنح النفس الطمأنينة، فلا تقع في فوضى العشوائية، ولا في قلق التعلق بالأسباب.

المصدر / فلسطين أون لاين