قائمة الموقع

حل اللجنة الحكومية في غزة.. تفكيك الحكم لا تفكيك السلاح

2026-07-12T09:06:00+03:00
فلسطين أون لاين

أعلنت حماس في السادس من يوليو الجاري حل اللجنة الحكومية واستقالة رئيسها الدكتور محمد الفرا، تمهيدًا لتسليم الملف الإداري كاملًا للجنة الوطنية لإدارة غزة، حيث بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه لحظة انعطاف تاريخية تُنهي نحو عقدين من إدارة الحركة المباشرة للقطاع، غير أن قراءة هذه الخطوة بمعزلٍ عن سياقها التاريخي والبنيوي الأوسع تُفقدها أبعادها الحقيقية، وتختزلها في عنوان صحفي عابر بدل أن تكون مدخلًا لفهمٍ أعمق لمنطق حماس التفاوضي الثابت منذ ما يقارب عقدًا ونصف.

سابقة لم تُقرأ جيدًا: تسليم المنافذ 2017:

ليست هذه المرة الأولى التي تُقدِمُ فيها حماس على تنازل إداري بهذا الحجم؛ ففي أكتوبر 2017، وقّعت الحركة مع حركة فتح اتفاق مصالحة في القاهرة نص على تسليم السلطة الفلسطينية إدارة منافذ غزة الحدودية بحلول أول نوفمبر من العام ذاته، وهو ما تم تنفيذه فعلًا؛ لتصبح منافذ بيت حانون وكرم أبو سالم ورفح تحت إشراف حكومة الوفاق، لكن اللافت أن هذا البند كان الوحيد من كامل اتفاق المصالحة الذي تُرجم على الأرض، بينما تعثرت بقية البنود، وعلى رأسها الأكثر إثارة للخلاف: مستقبل سلاح الفصائل، الذي رفضت حماس منذ اللحظة الأولى التفاوض عليه.

والقراءة المنصفة لما جرى بعد ذلك تنفي الرواية المبسّطة التي تحمّل حماس وحدها مسؤولية انهيار الاتفاق؛ فحين سحبت السلطة الفلسطينية موظفيها من معبر رفح عام 2019، بررت ذلك بتعطيل حماس لعمل طواقمها، في حين اعتبرت حماس القرار تنفيذًا لسياسة عقابية ضمن مسار صفقة القرن وعقوبات عباس المتراكمة على القطاع (خفض الرواتب، تقليص الكهرباء).

الحقيقة، كما تكشفها الوقائع، أن الانهيار كان نتاج مسؤولية متبادلة لا عرقلة أحادية، وأن جوهر الخلاف لم يكن يومًا في تفاصيل إدارة معبر أو وزارة، بل في نقطة واحدة ثابتة: من يملك حق حمل السلاح.

2026: تنازلٌ أوسع، لكن بشرط معلّق:

المقارنة مع اللحظة الراهنة تكشف تطورًا نوعيًا في خطاب حماس، لا في جوهر موقفها؛ فحل اللجنة الحكومية هذه المرة لم يقتصر على ملف واحد كما في 2017، بل جاء معه إعلان صريح من قيادات الحركة عن جاهزيتها الكاملة لتسليم كل ملفات الحكم، بما فيها الملف الأمني والشرطي، للجنة الوطنية برئاسة علي شعث، حيث يعتبر ذلك اتساع حقيقي في مدى التنازل المعلن، ولا ينبغي التقليل من شأنه.

لكن هذا “التسليم الكامل” يظل حتى تاريخه، التزامًا نصيًا لم يُختبر ميدانيًا، لسبب لا علاقة له بإرادة حماس؛ فأعضاء اللجنة الوطنية ورئيسها لا يزالون مقيمين في القاهرة، إذ لم توافق "إسرائيل" حتى الآن على دخولهم إلى القطاع، وهذا يقلب جزءًا مهمًا من الاتهام "الإسرائيلي" الذي وصف الخطوة بأنها (خدعة) تستهدف تفادي نزع السلاح تحت غطاء تسليم شكلي للحكم المدني؛ فحين يكون الطرف المفترض أن يتسلم الملف ممنوعًا من الدخول أصلًا، يصبح الحديث عن “مناورة حمساوية” مبتذلًا، ويستدعي توجيه السؤال ذاته إلى الطرف الذي يمنع دخول اللجنة البديلة.

السلاح: الخط الذي لا تُغيّره الانتخابات:

في موازاة ذلك، أصدر الرئيس محمود عباس مرسومًا رئاسيًا يحدد 28 نوفمبر 2026 موعدًا لأول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ عام 2006، في حين أرجأ تحديد موعد الانتخابات الرئاسية إلى الربع الأول من العام التالي دون تاريخ حاسم، وقد يُغري هذا التزامن الظاهري -حل الحكومة في غزة وفتح الباب أمام انتخابات تشريعية- بالقول إن ثمة مسارًا تصالحيًا شاملاً يتشكل، تُستعاد فيه الشرعية التمثيلية لكافة الأطراف الفلسطينية دفعة واحدة.

غير أن هذا الربط، إن لم يُدقق فيه، يقود إلى مغالطة تحليلية خطيرة حيث الخلط بين الشرعية الشعبية والشرعية المؤسسية على ملف السلاح؛ فحتى لو شاركت حماس في انتخابات نوفمبر وفازت بها كما فعلت عام 2006، فإن ذلك لن يمنحها أي غطاء قانوني على السلاح، لانحصار الملف بنيويًا، بموجب أطر أوسلو، في السلطة الفلسطينية عبر أجهزتها الأمنية الرسمية، وهي الأجهزة التي تُدير أصلاً تنسيقًا أمنيًا وثيقًا ومستمرًا مع "إسرائيل".

غير أن اتساع صلاحيات المجلس التشريعي، أو التغيير في تكوينه، يبقى ليس الجهة التي تقرر من يحمل السلاح شرعيًا في الجغرافيا الفلسطينية.

والتجربة التاريخية لعام 2006 تؤكد ذلك بأوضح صورة، ففوز حماس الانتخابي حينها لم يُترجم إلى اعتراف بحقها في السلاح أو الحكم الفعلي، بل قوبل بحصار دولي اشترط عليها التخلي عن السلاح والاعتراف بالاتفاقيات الموقعة سلفًا كثمن لأي اعتراف بشرعيتها، هذا بالضبط ما يفسر سبب إصرار حماس على الفصل الحاد بين ملفي الحكم المدني القابل للتفاوض والتنازل الكامل عنه، وسلاح لا يخضع لأي معادلة انتخابية أو مؤسسية.

خلاصة: فصل الأمر الواقع عن معادلة السلطة:

ما يجمع بين حل اللجنة الحكومية، وسابقة تسليم المنافذ عام 2017، وإعلان موعد الانتخابات التشريعية، هو نمط واحد متكرر، حماس تتنازل تدريجيًا عن “إدارة الحياة اليومية” للسكان -الخدمات، المؤسسات، حتى الشرطة نظريًا- بينما تحتفظ بما تعتبره جوهر قوتها الفعلية، أي القدرة على حمل السلاح والتموضع الميداني، وهذا الفصل بين من يُدير ومن يملك القرار الأخير في اللحظة الحرجة ليس عرضيًا، بل هو صلب استراتيجية بقاء تنظيمي أثبتت مرونة لافتة عبر عقدين من الحصار والحرب والتصفية القيادية المتكررة.

السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا ليس ما إذا كانت

حماس ستُسلّم الحكم -فهذا يحدث فعلًا وبشكل متصاعد، بل ما إذا كانت المعادلة الدولية نفسها، القائمة على “سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد”، قادرة على فرض تسوية تُنهي الاستثناء المسلح الفلسطيني دون أن تُقدّم في المقابل ما يوازيه: انسحابًا إسرائيليًا كاملاً، ووقفًا نهائيًا للعدوان، وأفقًا سياسيًا حقيقيًا لا مجرد إدارة مؤقتة لأزمة إنسانية متجذرة؛ فبين هذين المطلبين المتقابلين -نزع السلاح مقابل إنهاء الاحتلال- يبقى اليوم التالي لغزة رهينة معادلة لم تُحسم بعد، ولن تُحسم بمرسوم حكومي أو تنازل إداري وحده.

اخبار ذات صلة