فلسطين أون لاين

"المدينة الخضراء" تثير قلق الغزيين.. نازحون: نريد العودة إلى بيوتنا لا إلى مدن بديلة

...
صورة أرشيفية
غزة/ رامي رمانة:

أثار الحديث المتداول عن مشروع إنشاء ما تُعرف بـ"المدينة الخضراء" في مدينة رفح، موجة واسعة من التساؤلات والقلق في أوساط المواطنين بقطاع غزة، مع غياب أي إعلان رسمي يوضح طبيعة المشروع، والجهة المشرفة عليه، والفئات المستفيدة منه، وآليات تنفيذه.

وفي وقت يترقب فيه مئات آلاف النازحين انطلاق عملية إعادة الإعمار والعودة إلى منازلهم، يخشى كثيرون أن يتحول المشروع إلى بديل عن إعادة السكان إلى مناطقهم الأصلية، مؤكدين تمسكهم بحقهم في العودة إلى بيوتهم وإعادة إعمارها، لا الانتقال إلى تجمعات سكنية جديدة لا يعرفون تفاصيلها أو مستقبلها.

ولا تتوقف تساؤلات المواطنين عند طبيعة المشروع، بل تمتد إلى مصير العائلات التي قد يشملها، وما إذا كانت عملية الانتقال ستخضع لإجراءات أو ترتيبات خاصة، إضافة إلى مصير سكان المحافظات الأخرى، خصوصًا في شمال ووسط القطاع، حيث لا تزال آلاف المنازل بحاجة إلى إعادة إعمار أو ترميم.

ويرى متضررون أن الأولوية يجب أن تنصب على إعادة إعمار الأحياء المدمرة وتمكين السكان من العودة إلى مناطقهم، بدلًا من طرح مشروعات لا تزال تفاصيلها غير واضحة.

ويقول المواطن جمال السيد، من وسط قطاع غزة، إن منزله ومنزل شقيقه المتجاورين تعرضا لدمار شبه كامل خلال الحرب، وإنه ينتظر صرف التعويضات وإدخال مواد البناء حتى يتمكن من إعادة تشييد منزله.

ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن ما يُتداول بشأن إقامة مشروع سكني في رفح ما زال يكتنفه الغموض، متسائلًا عن طبيعة المشروع، وآلية تنفيذه، ومدى تأثيره على حق المواطنين في إعادة بناء منازلهم في أماكن سكنهم الأصلية.

ويتابع: "لا نعرف حتى الآن كيف ستتم إعادة الإعمار؛ هل ستكون من خلال تعويضات مالية لأصحاب المنازل، أم ستتولى جهات أخرى تنفيذها؟ هذه أسئلة من حق المواطنين أن يجدوا لها إجابات واضحة."

ويؤكد السيد رفضه لأي حلول قد تؤدي إلى نقل السكان بعيدًا عن مناطقهم، قائلًا: "لن نقبل بأن نُجبر على ترك أحيائنا والانتقال إلى أماكن أخرى. مطلبنا واضح: العودة إلى بيوتنا وإعادة إعمارها."

ويشير إلى أنه، رغم النزوح المتكرر إلى جنوب القطاع، عاد للإقامة في منزله المتضرر بسبب ارتباطه بالمكان وجيرانه، مؤكدًا أن غالبية المتضررين يتطلعون إلى إنهاء معاناة النزوح عبر إعادة الإعمار لا من خلال حلول مؤقتة.

الخيام ليست بديلًا عن البيوت

من جانبه، يصف المسن أبو هشام الخالدي أوضاع النازحين في مراكز الإيواء بأنها "كارثية بكل معنى الكلمة"، مؤكدًا أن آلاف العائلات لا تزال تعيش داخل خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.

ويقول إن معاناة النازحين تتغير بتغير الفصول؛ ففي الشتاء تغرق الخيام بمياه الأمطار، وفي الصيف تتحول إلى أفران بفعل درجات الحرارة المرتفعة.

ويضيف: "كنا ننتظر الصيف هربًا من برد الشتاء، واليوم ننتظر الشتاء هربًا من حر الصيف. الخيام لم تعد صالحة للحياة."

ويلفت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة تسبب في حالات إعياء وضربات شمس، وفاقم معاناة المرضى، رغم محاولات العائلات تغطية الخيام بالأقمشة والكراتين للتخفيف من الحر.

ويشدد على أن الحل لا يكمن في إطالة أمد الإيواء المؤقت، بل في تسريع إعادة الإعمار، وصرف التعويضات، وإدخال مواد البناء، وإنهاء معاناة مئات آلاف النازحين.

كما يشير إلى أن استمرار إغلاق المعابر زاد من معاناة الأسر، وأسهم في تفكك الكثير منها، حيث لا يزال أفراد من العائلة الواحدة عالقين بين داخل القطاع وخارجه.

الإعمار ضرورة لا خيار

من جهته، يؤكد خبير البنية التحتية والإسكان المهندس محمد العسكري أن قطاع غزة بحاجة إلى إطلاق عملية إعادة إعمار شاملة بصورة عاجلة، محذرًا من أن استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة سيؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية.

ويقول لـ"فلسطين" إن أكثر من 450 ألف وحدة سكنية تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما تضررت نحو 80% من البنية التحتية، الأمر الذي أدى إلى تشريد مئات آلاف الأسر.

ويضيف أن أزمة الإيواء تُعد من أكبر التحديات، في ظل استمرار اعتماد أكثر من مليون نازح على الخيام ومراكز الإيواء، مؤكدًا أن هذا الواقع لا يمكن أن يستمر.

كما يحذر من أن أكثر من 60 مليون طن من الركام ما زالت تغطي مناطق واسعة من القطاع، ما يعيق حركة المواطنين ويؤخر إعادة الإعمار، فضلًا عن مخاطره البيئية والصحية.

ويشدد العسكري على ضرورة تبني خطة وطنية موحدة لإعادة إعمار غزة، رغم تعدد المبادرات الدولية، مؤكدًا أن الإعمار يجب ألا يقتصر على إعادة ما دمرته الحرب، بل أن يشكل فرصة لتطوير المدن وتحسين البنية التحتية وجودة الحياة.

ويدعو إلى الإسراع في إدخال المعدات الهندسية الثقيلة، ومواد البناء، والوحدات السكنية المؤقتة، إلى جانب ترميم المنازل والمرافق الصحية والتعليمية، مع إشراك الكفاءات الفلسطينية والبلديات والجامعات في قيادة عملية الإعمار.

وبين مخاوف السكان من الغموض الذي يحيط بالمشروعات المطروحة، وتمسكهم بحقهم في العودة إلى بيوتهم، يتفق المواطنون والخبراء على أن إعادة إعمار غزة، بما يحفظ حق الأهالي في السكن بمناطقهم الأصلية، تبقى الأولوية الأكثر إلحاحًا لإنهاء واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية التي خلفتها الحرب

المصدر / فلسطين أون لاين