لم تكن عقارب الساعة قد تجاوزت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، حين تحوّل منزل عائلة جرغون، الواقع في المنطقة الحدودية بمدينة رفح، إلى ركام خلال لحظات. كانت العائلة غارقة في النوم عندما وقع القصف، باستثناء شقيق داليا الوحيد الذي كان لا يزال مستيقظًا. لم يسمع صوت الصاروخ، لكن المشهد الذي رآه بعد الانفجار ظل عالقًا في ذاكرته إلى الأبد.
يروي أحمد لصحيفة "فلسطين" تفاصيل تلك الليلة بصوت يثقله الفقد: "لم أسمع صوت الصاروخ، لكنني رأيت سقف المنزل والجدران تنهار فوق رؤوسنا. بعدها بدأت أسمع أصوات الشهداء والجرحى، وكل واحد منهم كان يستغيث من تحت الأنقاض، يطلب من يصل إليه وينقذه".
كانت الدقائق الأولى بعد القصف أقسى من أن تُحتمل؛ جرحى عالقون تحت الركام، ومناشدات تتعالى في الظلام، بينما حالت خطورة المكان دون وصول فرق الإنقاذ سريعًا.
ويضيف أحمد: "لم تتمكن سيارات الإسعاف من الوصول إلا بعد نحو ساعة، وحتى الأهالي لم يستطيعوا الاقتراب في البداية بسبب خطورة المنطقة. كنت أسمع أصوات أفراد عائلتي، لكنني لم أستطع إنقاذ أحد لأنني كنت مصابًا أيضًا. كان شعور العجز أقسى من الألم نفسه".
ذلك القصف، الذي وقع في الثالث والعشرين من أبريل/نيسان 2024، لم يدمّر المنزل فقط، بل ترك جرحًا عميقًا في العائلة باستشهاد ستة من أفرادها، فيما خرجت داليا عرفات جرغون (30 عامًا) من بين الأنقاض بإصابة غيّرت مسار حياتها بالكامل.
أصيبت داليا بكسر في العمود الفقري أدى إلى شلل نصفي سفلي، لتتحول المعلمة التي اعتادت الوقوف أمام الأطفال داخل الصفوف إلى شابة تحتاج اليوم إلى المساعدة في أبسط تفاصيل حياتها اليومية.
ورغم خضوعها لعملية جراحية أجراها وفد طبي أردني لتثبيت فقرات العمود الفقري، فإن رحلة علاجها لم تكتمل بعد. فهي بحاجة ماسة إلى السفر خارج قطاع غزة لإجراء تصوير بالرنين المغناطيسي، بهدف تقييم وضع النخاع الشوكي وتحديد فرص استعادة قدرتها على الحركة.
ويؤكد شقيقها أن الأمل لا يزال حاضرًا، قائلًا: "بعد تقييم حالتها من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أخبرنا الأطباء أن هناك فرصة حقيقية لأن تستعيد داليا قدرتها على المشي، إذا حصلت على العلاج المناسب في الوقت المناسب".
ذلك الأمل، رغم ضآلته، أصبح مصدر تمسك للعائلة في مواجهة أيام النزوح الطويلة داخل خيمة في مواصي خان يونس، حيث تعيش داليا مع من تبقى من أفراد أسرتها بعد فقدان منزلها.
من بين الأطفال إلى كرسي الانتظار
قبل الإصابة، كانت داليا قد أنهت دراستها الجامعية وحصلت على درجة البكالوريوس في التعليم الأساسي، واختارت العمل في مجال رياض الأطفال، مؤمنة بأن بناء الإنسان يبدأ من سنواته الأولى.
كانت ترى في كل طفل مشروع حياة، وفي كل يوم دراسي رسالة تحملها بشغف ومحبة، لكن الحرب أوقفت مسيرتها فجأة؛ فتوقفت خطواتها، وغابت عن عالم الأطفال الذي أحبته، وحلّت مكان السبورة والوجوه الصغيرة جلسات علاج وانتظار طويل لفرصة سفر قد تعيد إليها ما فقدته.
ويقول شقيقها: "أكثر ما يحزن داليا أنها لم تعد قادرة على ممارسة رسالتها. كانت تحب الأطفال كثيرًا، وكانت تجد نفسها بينهم. اليوم لا تتمنى سوى أن تعود للوقوف مجددًا، ليس إلا لتستعيد حياتها الطبيعية وتعود إلى عملها الذي أحبته".
ومع مرور نحو ألف يوم على الحرب في قطاع غزة، تبقى داليا واحدة من مئات الجرحى الذين يواجهون إصابات معقدة تحتاج إلى علاج متخصص خارج القطاع، في ظل صعوبة السفر واستمرار القيود على حركة المرضى.
ورغم كل ما فقدته، لا تزال تتمسك بأمنية بسيطة: أن تحصل على فرصة علاج تمنحها القدرة على الوقوف من جديد، والعودة إلى الأطفال الذين انتظروها طويلًا.

