يشكل مشروع القانون الإسرائيلي الجديد الذي يتيح تجميد أموال إضافية من عائدات السلطة الفلسطينية تصعيدًا جديدًا في استخدام الملف المالي أداة ضغط سياسية، ولتعزيز الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، في الوقت الذي يسعى فيه الفلسطينيون لإعادة الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات الإسرائيلية الحرجة التي تهدد القضية الفلسطينية.
ويحمل حجز أموال المقاصة وتحويلها إلى أداة عقابية تداعيات تتجاوز الجانب المالي، إذ يمكن أن يفاقم الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية، ويزيد من حالة الاحتقان الشعبي، ويؤثر على الاستقرار السياسي والأمني.
وصادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، الأربعاء الماضي، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يسمح بتجميد أموال إضافية من أموال السلطة الفلسطينية، تمهيدًا لعرضه على القراءتين الثانية والثالثة.
وبحسب صحيفة "هآرتس"، فإن مشروع القانون الذي قدمه عضو الكنيست موشيه باسال من حزب الليكود، ينص على تجميد مبلغ سنوي يعادل الأموال التي حولتها السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة خلال العام السابق، على أن تستخدم هذه الأموال لدفع تعويضات للإسرائيليين الذين تضرروا جراء أعمال المقاومة في القطاع.
وحظي مشروع القانون بتأييد 12 عضو كنيست خلال التصويت الأولي، دون تسجيل أي أصوات معارضة.
ويأتي ذلك في وقت تحتجز فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي نحو 14 مليار شيكل من أموال المقاصة، وهي عائدات الضرائب والجمارك التي تُجبى على الواردات الموجهة إلى الأراضي الفلسطينية عبر المعابر وتحوّلها دولة الاحتلال للسلطة الفلسطينية وفق الاتفاقيات الموقعة.
قرصنة مالية
وقال الكاتب والمحلل السياسي أحمد رفيق عوض لصحيفة "فلسطين" إن مشروع القانون الإسرائيلي الجديد يمثل امتدادًا لسياسة ممنهجة تستهدف الحقوق المالية الفلسطينية، معتبرًا أن احتجاز أموال المقاصة وتحويلها إلى أداة سياسية يعكس طبيعة العلاقة القائمة على السيطرة والإكراه.
وأوضح عوض أن "مشروع القانون لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءً ماليًا عاديًا، بل هو شكل من أشكال القرصنة المالية المنظمة التي تستهدف أموال شعب واقع تحت الاحتلال، حيث يجري الاستيلاء على حقوقه المالية وإعادة توظيفها لخدمة أهداف سياسية واستعمارية".
وأضاف أن "أموال المقاصة ليست منحة تقدمها حكومة الاحتلال للفلسطينيين، وليست مساعدات أو هبات يمكن التصرف بها وفق الإرادة الإسرائيلية، بل هي إيرادات فلسطينية خالصة جرى تحصيلها من حركة التجارة والضرائب والجمارك نيابة عن الشعب الفلسطيني".
وأكد عوض أن احتجاز ما يقارب 14 مليار شيكل من هذه الأموال يمثل، "انتهاكًا خطيرًا للاتفاقيات الموقعة والقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني"، مشيرًا إلى أن استخدام هذه الأموال في تمويل تعويضات أو إجراءات مرتبطة بالصراع يمثل "تحويلًا للحقوق المالية الفلسطينية إلى وسيلة للعقاب الجماعي والابتزاز السياسي".
وأشار إلى أن حكومة الاحتلال تستخدم الملف المالي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية، قائلًا إن "السطو على الموارد المالية أصبح أحد أدوات الحرب الشاملة على الشعب الفلسطيني، لأن تجفيف الموارد لا يضر الحكومة فقط، بل ينعكس على قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات والوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين".
وأضاف أن الهدف من هذه السياسة يتجاوز الأزمة المالية الآنية، موضحًا أن "إضعاف الاقتصاد الفلسطيني ومحاصرة المؤسسات الوطنية يمثل محاولة لضرب مقومات الصمود الفلسطيني وإبقاء المجتمع الفلسطيني في حالة استنزاف دائم".
ودعا عوض المجتمع الدولي إلى التحرك، قائلًا إن "الإدارة الأمريكية والأمم المتحدة والمؤسسات المالية والحقوقية الدولية مطالبة بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، وعدم التعامل مع هذه الإجراءات باعتبارها خلافًا ماليًا، لأنها تمس حقوقًا أساسية لشعب بأكمله".
وشدد على ضرورة إلزام (إسرائيل) بالإفراج عن الأموال المحتجزة، مؤكدًا أن "الحقوق المالية الفلسطينية لا يجوز أن تتحول إلى رهينة بيد الاحتلال، ولا يجوز استخدامها أداة للنهب والابتزاز والعقاب الجماعي".
تكريس الفصل
من ناحيته، قال الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل لـ"فلسطين" إن مشروع القانون الإسرائيلي الجديد يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب المالي، معتبرًا أنه يأتي ضمن محاولة لتعزيز الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية على المستويات السياسية والاقتصادية والجغرافية.
وأوضح عوكل أن "الهدف الحقيقي من هذا القانون ليس فقط تجميد الأموال، بل منع أي تدفق مالي من السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، حتى لو تعلق الأمر برواتب الموظفين أو المخصصات الاجتماعية أو الأموال التي تصل إلى عائلات الشهداء والأسرى".
وأضاف أن الخطوة تعكس توجهًا داخل التيار اليميني الإسرائيلي يسعى إلى محاصرة السلطة الفلسطينية وإضعافها، موضحًا أن "هناك محاولة واضحة لعزل السلطة ماليًا وسياسيًا، وتحويلها إلى مؤسسة عاجزة لا تملك القدرة على إدارة الملفات الأساسية".
وأشار إلى أن استخدام أموال المقاصة كورقة ضغط سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على العلاقة بين (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية، قائلًا إن "إسرائيل لا تضغط على السلطة فقط من خلال السياسة، بل تستخدم الاقتصاد كسلاح لإجبارها على القبول بشروط سياسية معينة".
وأكد عوكل أن استمرار هذه السياسة قد يضعف أي دور مستقبلي للسلطة، موضحًا أن "إضعاف المؤسسات الفلسطينية لا يخدم الاستقرار، بل يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والتوتر، لأن أي مجتمع يحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل وتقديم الخدمات".
وشدد على أن الأموال المحتجزة ليست أموالًا إسرائيلية، قائلًا إن "أموال المقاصة هي ضرائب وجمارك فلسطينية جُمعت على المعابر لصالح الفلسطينيين، وبالتالي فإن احتجازها أو التصرف بها خارج إطار الاتفاقيات يمثل عقوبة جماعية بحق المجتمع الفلسطيني".
وأضاف أن القانون الجديد "جزء من سياسة تهدف إلى إعادة رسم العلاقة بين غزة والضفة وفق رؤية إسرائيلية تقوم على الفصل والإضعاف"، محذرًا من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تعميق الانقسام السياسي والجغرافي بدل معالجة جذور الأزمة.
وختم عوكل بالقول إن "تحويل الحقوق المالية الفلسطينية إلى أدوات للضغط السياسي يهدد ليس فقط الاقتصاد الفلسطيني، بل مستقبل أي عملية سياسية قائمة على وجود مؤسسات فلسطينية قادرة على إدارة شؤون شعبها"