لم يكن عبد القادر عبد النبي يبحث عن أكثر من كيس طحين يسدّ به حاجة عائلته في الأيام الأولى للحرب على قطاع غزة. خرج الشاب، البالغ من العمر 19 عامًا، صباح الحادي والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من مكان نزوح أسرته في منطقة بير النعجة شمال القطاع، متجهًا برفقة شاب آخر نحو منطقة محطة الخزندار، التي بدت آنذاك أكثر أمنًا نسبيًا.
لم يحمل معه هاتفًا محمولًا، ولم يصطحب بطاقة هويته، إذ كان يعتقد أن مهمته لن تستغرق سوى وقت قصير وسيعود سريعًا. لكنه لم يكن يعلم أن الحرب ستقطع طريق العودة، وأن ذلك الصباح سيكون آخر عهد لعائلته بصوته وملامحه.
منذ تلك اللحظة، تحوّل غياب عبد القادر إلى جرح مفتوح داخل عائلته، التي بدأت رحلة بحث طويلة بين المستشفيات ومراكز الإيواء وقوائم المفقودين، دون أن تصل إلى إجابة حاسمة؛ فلا جثمان يؤكد استشهاده، ولا معلومة تثبت أنه ما زال حيًا.
رحلة البحث عن أثر
كان عبدالله عبد النبي، ابن عم عبد القادر وأحد أقرب الأشخاص إليه، آخر من تابع تفاصيل خروجه في ذلك اليوم. وما تزال تفاصيل الساعات الأولى للاختفاء حاضرة في ذاكرته.
يقول عبدالله لصحيفة "فلسطين": "خرج عبد القادر برفقة شاب آخر بحثًا عن الطحين، ولم يكن أحد يتوقع أن تكون تلك آخر مرة نراه فيها".
في ذلك الوقت، لم تكن المنطقة التي توجه إليها الشابان تشهد مواجهات مباشرة، لكن الوضع تغيّر خلال ساعات قليلة، بعدما تحولت إلى ساحة عمليات عسكرية، تخللها قصف وإطلاق نار مكثف، ما جعل الوصول إليها أو الخروج منها أمرًا بالغ الصعوبة.
ويضيف: "بعد نحو أربع ساعات فقط أصبحت المنطقة شديدة الخطورة، ودخلتها قوات الاحتلال، ولم يعد أحد قادرًا على الوصول إليها".
ولم يكن اختفاء عبد القادر وحده ما صعّب مهمة البحث، بل إن عدم حمله لأي وسيلة اتصال أو وثائق شخصية جعل الوصول إلى معلومات عنه أكثر تعقيدًا منذ البداية.
ويقول عبدالله: "لم يكن يحمل هاتفًا أو بطاقة هوية، خرج وهو يظن أنه سيعود سريعًا، لذلك لم يأخذ معه شيئًا".
بحث بين الركام والقبور
لم تتمكن العائلة من الوصول إلى المنطقة إلا بعد ثلاثة أيام، عندما تراجعت حدة الاشتباكات نسبيًا. وهناك بدأت رحلة البحث بين الركام والمواقع التي سقط فيها الشهداء، أملاً في العثور على أي دليل يقود إلى مصيره.
ويقول عبدالله: "بحثنا في كل مكان، ولم نجد أي أثر له؛ لا ملابس، ولا متعلقات، ولا أي شيء يدل على وجوده".
وخلال عمليات البحث، علمت العائلة أن المنطقة شهدت مجزرة خلّفت عددًا كبيرًا من الشهداء، ما دفعها إلى مراجعة أماكن دفن الضحايا والتدقيق في كل ما أمكن الوصول إليه.
ويضيف: "فتشنا بين الشهداء، وراجعنا أماكن الدفن، وحتى المواقع التي دُفن فيها الضحايا بشكل مؤقت، لكن عبد القادر لم يكن بينهم".
رواية الجريح الوحيد
الرواية الأخيرة عن عبد القادر وصلت إلى العائلة من الشاب الذي كان برفقته، بعدما أصيب خلال إطلاق النار، لكنه تمكن لاحقًا من نقل ما شاهده قبل أن يفقد أثر ابن عمه.
ويقول عبدالله: "أخبرنا أنه شاهد عبد القادر يُصاب، وحاول العودة إليه، لكنه تعرض هو أيضًا لإطلاق النار، ولم يتمكن من الوصول إليه مرة أخرى".
ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقف العائلة عن البحث. راجعت المستشفيات، وتواصلت مع المؤسسات الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إضافة إلى الجهات المعنية بملفات المفقودين والمعتقلين، لكن دون الحصول على معلومة مؤكدة.
ويقول عبدالله: "تواصلنا مع كل الجهات، لكن لم يصلنا أي رد يؤكد أنه معتقل أو أنه استشهد".
انتظار بلا نهاية
رغم مرور ما يقارب عامين ونصف على اختفاء عبد القادر، لا تزال جميع الاحتمالات مفتوحة أمام عائلته، التي ترجّح احتمال اعتقاله خلال العملية العسكرية، خاصة بعد عدم العثور على جثمانه رغم عمليات البحث المتكررة.
ويقول عبدالله: "لو كان بين الشهداء لكنا عثرنا عليه بعد كل هذا البحث، لذلك يبقى احتمال اعتقاله قائمًا، لكنه يظل مجرد احتمال لا أكثر".
تحولت رحلة قصيرة بحثًا عن كيس طحين إلى قصة انتظار لا تنتهي. وبينما تتغير أسماء المفقودين وتتوالى أخبار الأسرى والإفراجات، يبقى اسم عبد القادر عبد النبي خارج القوائم، حاضرًا فقط في دعوات عائلته التي لا تطلب سوى معرفة الحقيقة.
ويختتم عبدالله حديثه لـ"فلسطين": "لا نريد أكثر من معرفة مصيره، سواء كان شهيدًا أو أسيرًا. أصعب ما يعيشه الإنسان أن يبقى منتظرًا دون أن يعرف الحقيقة".