كل صباح، تستيقظ فاطمة حرارة على السؤال ذاته الذي لا تجد له إجابة: متى يعود لؤي؟
فمنذ اعتقال زوجها، الممرض في مجمع الشفاء الطبي، قبل أكثر من عامين، تحولت حياتها إلى رحلة طويلة من الانتظار والقلق والمسؤوليات الثقيلة؛ فهي أمّ تحاول تضميد جراح أطفالها، وزوجة تترقب أي خبر يطمئنها على رجل غاب خلف القضبان في ظروف لا تزال مجهولة.
لم يكن غياب لؤي عن أسرته مجرد فقدان لأحد أفرادها، بل كان غياب السند الذي اعتادت عليه فاطمة في مواجهة تفاصيل الحياة اليومية القاسية، ولا سيما في حرب الإبادة وما خلفته من قصف ودمار ونزوح وفقدان.
تستعيد فاطمة تفاصيل يوم 18 مارس/ آذار 2024، حين حاصر جيش الاحتلال الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي واقتحمه، بينما كان زوجها يؤدي عمله الإنساني داخل المستشفى، يسعف الجرحى ويقدم الرعاية الطبية للمصابين في واحدة من أصعب مراحل الحرب.
وعقب اقتحام المجمع، اعتُقل لؤي وانقطعت أخباره عن عائلته، لتبدأ الأسرة فصلًا جديدًا من الخوف والانتظار، كما تقول فاطمة في حديثها لصحيفة "فلسطين".
أيام من الألم
لكن معاناة فاطمة لم تبدأ مع اعتقال زوجها فقط، فقد سبقتها أيام عصيبة عاشتها الأسرة منذ بداية الحرب، لا سيما بعد قصف منزلهم في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، في اليوم الرابع للحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما أدى إلى إصابة طفليها ماجد (14 عامًا) وريتاح (12 عامًا).
وتقول فاطمة لصحيفة "فلسطين" إنها فقدت الاتصال بطفليها لساعات طويلة، قبل أن تعثر عليهما في مستشفى الشفاء مصابين بحروق وجروح وشظايا، بعد أن دُمّر المنزل بالكامل جراء القصف.
ولم يكن الطفلان قد تعافيا من إصاباتهما عندما اعتُقل والدهما، لتجد فاطمة نفسها أمام مسؤوليات مضاعفة؛ متابعة علاجهما، ومواجهة النزوح، وتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل غياب أي مصدر دخل ثابت.
وتوضح أنها تحملت وحدها أعباء الأسرة منذ اعتقال زوجها، فأصبحت تقوم بدور الأم والأب معًا، فيما ظل أطفالها ينتظرون عودة والدهم بفارغ الصبر.
وتشير إلى أن أصعب لحظاتها كانت خلال العام الأول بعد اقتحام مجمع الشفاء، حين عاشت على اعتقاد بأن زوجها استشهد خلال العملية العسكرية، قبل أن تعلم لاحقًا أنه معتقل في سجون الاحتلال.
ورغم أن معرفة مصيره أعادت إليها بعض الأمل، فإنها فتحت بابًا جديدًا من القلق والخوف على ظروف اعتقاله، خصوصًا في ظل الشهادات التي تحدث بها معتقلون محررون عن قسوة ظروف الاحتجاز والانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى.
وتؤكد فاطمة أن زوجها تعرض لسوء المعاملة والحرمان من حقوقه الأساسية، وأنه يعاني منذ نحو ستة أشهر من مرض الجرب "السكابيوس"، إضافة إلى إصابته بالبواسير، دون تلقي العلاج اللازم، رغم المطالبات المتكررة بتوفير الرعاية الطبية له.
"تهمة" الإنسانية
توضح فاطمة أن زوجها نُقل بين عدة أماكن احتجاز، من بينها معتقل "سديه تيمان" سيئ السمعة، حيث واجه ظروفًا قاسية شملت الإهانة والتقييد لفترات طويلة ونقص الرعاية الطبية، ما زاد مخاوفها على حياته.
وتقول إن لؤي، منذ اندلاع الحرب، كان متمسكًا بأداء واجبه الإنساني، وقضى معظم وقته داخل مجمع الشفاء الطبي لعلاج المصابين وإنقاذ المرضى، حتى إن انشغاله المتواصل جعله لا يجد وقتًا كافيًا للجلوس مع أسرته.
وتضيف: "التهمة الوحيدة التي ارتكبها كانت إنسانيته"، مؤكدة أن اعتقاله لم يضر أسرته فقط، بل حرم القطاع الصحي من أحد العاملين الذين كانوا في الصفوف الأولى لإنقاذ أرواح المصابين خلال الحرب.
ومع غياب زوجها وانقطاع مصدر الدخل، اضطرت فاطمة إلى البحث عن وسائل جديدة لإعالة أطفالها، فلجأت إلى التجارة على نطاق محدود لتوفير احتياجاتهم، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع الأسعار بشكل كبير في قطاع غزة.
وتتابع بحزن أنها لا تزال تبحث عن أي فرصة تساعدها على الاستمرار في تحمل أعباء الحياة وتأمين مستقبل أطفالها.
ولم تتوقف معاناتها عند هذا الحد؛ إذ تعرض أطفالها خلال رحلات النزوح المتكررة لإصابات جديدة زادت من حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، بينما بقي الخوف على زوجها المعتقل يرافقها في كل لحظة.
ورغم كل هذه الظروف، تتمسك فاطمة بالأمل، وتطالب المؤسسات الدولية والحقوقية بالتحرك العاجل لحماية العاملين في القطاع الصحي المعتقلين في سجون الاحتلال، والكشف عن مصيرهم، وضمان حصولهم على حقوقهم الأساسية من غذاء ورعاية صحية، وصولًا إلى الإفراج عنهم.
وتختتم حديثها بالقول: "أعيش الويلات كل يوم، وكأن الزمن توقف عند لحظة اعتقاله. سأبقى أنتظر عودته إلى أطفاله الذين يبحثون عنه في كل مناسبة، ويرفعون أيديهم بالدعاء أن يعود إليهم سالمًا معافى في أقرب وقت"

