قائمة الموقع

ترامب وروسيا مرة أخرى.. أسئلة ومحاولات إجابة

2026-07-10T08:28:00+03:00
دونالد ترامب (أرشيف)
فلسطين أون لاين

تنطوي العلاقة الروسية الأمريكية، في فترتي حكم ترامب (الأولى والثانية)، على عدد من الألغاز التي لم تُسعفني نظريات العلاقات الدولية في تفكيكها. وقد تلامس بعض هذه النظريات بعض جوانب هذه العلاقة الملتبسة، لكنها لا تبلغ درجة الكشف الشافي. وتتراوح هذه التفسيرات بين ثلاث نظريات، هي:

1- التفسير الآيديولوجي القائم على المنظور الويستفالي البراغماتي (وهو ما يتضح في شعار MAGA). 2- التفسير بأن ترامب "عميل لروسيا" (Agent)، أي تم تجنيده منذ زمن. 3- التفسير بأن ترامب "ذخر لروسيا" (Asset)، أي شخصية نافذة يتم استغلال نفوذها عبر قنوات المنفعة المتبادلة.

وعند مناقشة أي من النظريات الثلاث السابقة، يجب التوقف عند الأسئلة الآتية:

أ‌- كل هيئات التحقيق الأمريكية (13 جهة) أثبتت أن روسيا تدخلت في انتخابات الرئاسة التي فاز فيها ترامب على هيلاري كلينتون. وهنا نسأل: لماذا الانحياز الروسي لترامب؟ هل لأن بوتين يرى أن ترامب أهون الشرين مقارنة بهيلاري؟ أم وراء الأكمة ما وراءها؟

ب‌- إن رصد سياسات ترامب تجاه حلفاء أمريكا، بخاصة في أوروبا، كانت تلقى استحسانًا لا لبس فيه من بوتين. فترامب ينتهج سياسة في أوكرانيا تقوم على الانسحاب التدريجي من الحرب الأوكرانية، ولصالح روسيا. لماذا؟

ت‌- موقف ترامب من أعباء حلف الناتو، وسعيه لتقليص التزامات أمريكا في الحلف، موضع ترحيب من بوتين. لماذا؟

ث‌- استفز ترامب، بتصريحاته وأعماله، أغلب دول العالم، إلا روسيا. لماذا؟ فقد أطلق تصريحات انتقد فيها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا ودول الخليج، بل وأحيانًا إسرائيل، لكن السمة العامة لتصريحاته تجاه روسيا هي أقرب إلى "التقريظ". لماذا؟

ج‌- سخر ترامب من أغلب الزعماء الذين تحدث عنهم، فقد سخر من ملك بريطانيا، والرئيس الفرنسي، وزعماء إيطاليا وألمانيا وكندا والدنمارك وإيران والصين وموريتانيا وبوركينا فاسو وغينيا بيساو، وأغلب الزعماء العرب، لكن الوقار يحل على لغته وأحاديثه عندما يكون الرئيس الروسي هو موضع "الحديث". لماذا؟

تقول الدراسات الأمنية إن القاعدة الذهبية في التحقيق هي: "فتش عن المستفيد". ومن الواضح أن روسيا هي المستفيد من أغلب سياسات ترامب، فحتى الأزمة مع إيران عادت بالنفع الوفير على روسيا؛ لأنها رفعت أسعار مصادر الطاقة التي تبيعها، وإغلاق مضيق هرمز أدى إلى نفاد تدريجي للمخزون الاحتياطي الطاقوي في أغلب دول العالم، وهو ما جعل أوروبا تعيد التفكير في علاقاتها الطاقوية مع روسيا؛ لأنها شعرت بالعبء نتيجة الشح في سوق الطاقة، والارتفاع المتلاحق في الأسعار.

من جانب آخر، من الضروري التوقف عند شخصية ترامب، التي أصبحت واضحة تمامًا، فهو شخص:

1- همه الأول والأخير الكسب الشخصي، وإغناء مخزونه النرجسي. 2- الفساد الأخلاقي، الذي لم يعد خفيًا على أحد منذ انفجرت ملفات إبستين. 3- وهم العظمة، الذي يرافقه دون أن يعنيه فشله في ترتيب الوضع الداخلي في بلاده، وهو ما انتهى إلى تراجع شعبيته بشكل واضح. 4- هو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي اختفت من شلال تصريحاته عبارة "الديمقراطية وحقوق الإنسان"، وهي الشعار الذي كان كل رئيس أمريكي سابق يحاول أن يجعل من هذين البعدين نافذة الإطلال على روسيا والصين. فلماذا أخفاهما ترامب؟ 5- الكذب، الذي وصل (حسب أبرز الصحف الأمريكية وهيئات التحقق الأمريكية) إلى 30 ألفًا وخمسمائة وثلاث وسبعين كذبة في أربع سنوات (أي 21 كذبة يوميًا).

وهنا نسأل: ألا تغوي هذه الشخصية الهشة، بهذه المواصفات، أي جهاز استخبارات على تجنيد صاحبها؟ فترامب صيد سمين ويسير، ومن حق الباحث ألّا يقفز عن هذه المعطيات، ولكن بحذر. فإذا ربطنا هذه الشخصية بوجود شخصية استخبارية محترفة في الجهة المقابلة، مثل فلاديمير بوتين، تزداد الفرضية وجاهة.

ويبقى بعد ذلك سؤال سبق أن شرحته بإسهاب، ولكن لا يجوز إغفاله هنا، ويتعلق السؤال بالملاحظات التالية:

1- أول من فضح علاقات ترامب بإبستين (وهو ما ثبتت صحته) هو Craig Unger، مؤلف كتاب مهم حول ترامب، وهو كتاب American Kompromat، وهو يضم 352 صفحة (صدر قبل خمس سنوات)، وقبل انفجار ملفات إبستين، ويوثق الكتاب اتهاماته لترامب استنادًا إلى ضابط مخابرات روسي هو Yuri Shvets، ثم يكشف علاقات ترامب بزوجته الأولى، التي كان والدها يعمل مع المخابرات التشيكية (زمن الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية)... إلخ. كما يتحدث الكتاب عن تفاصيل العلاقات المالية الروسية مع ترامب. فهل من العقلانية غض الطرف عن هذه الوقائع والألغاز؟

2- ما الذي يدفع مسؤولًا روسيًا في المديرية السادسة من الـ KGB، وهو Alnur Mussayev، إلى أن يصرح بأن الوحدة جندت ترامب، بل وحدد اسم ترامب الحركي، وهو "Krasnov"؟ ومن الضروري التنبه إلى أن موساييف هذا تولى، بين عامي 1997 و2001، رئاسة الاستخبارات الكازاخستانية، ثم أصبح رئيس لجنة الأمن القومي الكازاخستاني، فهو إذًا شخص مسؤول من ناحية، وفي أخطر الأجهزة ذات العلاقة من ناحية ثانية.

3- ما الذي يدفع ضابط الاستخبارات الخارجية Christopher Steele، والذي أسس شركة Orbis Business Intelligence، لكشف الفضائح الجنسية لترامب، التي رتب لها جهاز المخابرات الروسي؟

أخيرًا، من العسير نفي أي من النظريات الثلاث التي أشرت إليها في البداية، لكني أدعو الدول العربية إلى التعامل مع ترامب في ضوء النظريات الثلاث، لا من خلال هدايا الطائرات، والتبجيل، والتهيب، والطاعة العمياء.

إن العودة إلى قصة الضابط الأمريكي الكبير في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي Robert Hanssen، الذي عمل جاسوسًا للسوفييت من 1979-2001 (عمل لصالح الاتحاد السوفييتي ثم روسيا)، تستحق التأمل، ومثله ضابط الاستخبارات الأمريكية Aldrich Ames... وغيرهم كثير. فأمريكا ليست عصية على الاختراق، لكن الحذر في بناء النتائج يستوجب مزيدًا من البحث "العلمي لا الغرائزي".. فقد نصل إلى نتائج.. ربما.

اخبار ذات صلة