أعاد مرسوم رئيس السلطة محمود عباس الداعي إلى إجراء انتخابات المجلس التشريعي في الثامن والعشرين من نوفمبر المقبل، ملف الانتخابات العامة إلى واجهة المشهد السياسي، لكنه تزامن مع موجة من التحفظات والانتقادات التي أبدتها قوى سياسية ومؤسسات أهلية، عدَّت أن الانتخابات لا يمكن فصلها عن متطلبات إنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة الوطنية.
ولا يقتصر النقاش في الشارع الفلسطيني على تحديد موعد الانتخابات بعد عقدين من آخر انتخابات للتشريعي التي فازت فيها حركة حماس بأغلبية المقاعد متفوقة على حركة فتح، بل يمتد إلى البيئة السياسية والقانونية التي ستجرى في وجودها، ومدى قدرتها على إنتاج مؤسسات تتمتع بشرعية وطنية واسعة، في وقت ما تزال فيه الساحة الفلسطينية تعاني الانقسام، إلى جانب تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
ويرى محللون أن النقاش تجاوز تفاصيل المرسوم نفسه، ليركز على سؤال أوسع يتعلق بما إذا كانت الانتخابات، بصيغتها الحالية، ستسهم في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أو أنها ستعيد إنتاج أزماته في إطار قانوني جديد، من دون معالجة الأسباب التي عطلت الحياة الديمقراطية خلال السنوات الماضية.
تعديلات سبقت الدعوة للانتخابات
وجاء مرسوم عباس الانتخابي أمس، بعد أسابيع من إدخال تعديلات على قانون الانتخابات العامة، شملت رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وخفض سن الترشح، وزيادة تمثيل المرأة، إلى جانب تعديل بعض شروط الترشح وآليات تشكيل القوائم الانتخابية.
وبالرغم من تقديم هذه التعديلات باعتبارها جزءا من عملية تطوير للنظام الانتخابي، فإن بعضها أثار اعتراضات من قوى سياسية وحقوقية، رأت أنها تتجاوز الجوانب الإجرائية إلى تغييرات ذات أبعاد سياسية، قد تؤثر في مستوى التنافس والتعددية داخل العملية الانتخابية.
كما أثار النص الذي يلزم المرشحين بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية نقاشا واسعا، إذ اعتبرت أطراف فلسطينية أن إضافة شروط ذات طبيعة سياسية إلى حق الترشح قد تفتح الباب أمام تقييد المشاركة السياسية، بدلاً من توسيعها.
الانتخابات جزء من مسار وطني لا إجراء منفصل
وتقاطعت هذه التحفظات مع موقف الائتلاف الأهلي للانتخابات، الذي يضم عددا من المؤسسات الحقوقية والأهلية، إذ أكد أن الانتخابات ينبغي أن تكون جزءا من مسار وطني شامل يهدف إلى تجديد الشرعيات وإنهاء الانقسام، لا مجرد استحقاق إداري أو قانوني.
ودعا الائتلاف في بيان أصدره في الرابع من الشهر الجاري، إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة وفي يوم واحد، مع إطلاق حوار وطني تشارك فيه جميع القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن تهيئة البيئة السياسية والقانونية المناسبة، كما رفض التعديلات التي أضافت شروطا سياسية على حق الترشح، معتبراً أنها تمس مبدأ التعددية وتحد من حق المواطنين في الاختيار.
ويذهب المحلل السياسي هاني المصري، إلى أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بموعد الانتخابات، وإنما بطبيعة المشروع السياسي الذي ستخدمه، معتبرا أن السؤال الأهم يتمثل في نوع الانتخابات التي يحتاجها الفلسطينيون في هذه المرحلة الحساسة.
ويرى المصري أن بعض التعديلات، مثل رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي وخفض نسبة الحسم، تبدو للوهلة الأولى تقنية، لكنها تحمل آثارا سياسية قد تؤدي إلى تشتيت النتائج، وتعزيز المنافسة المحلية والشخصية على حساب التنافس القائم على البرامج السياسية، بما قد ينعكس على طبيعة المجلس المقبل.
كما يربط أي استحقاق انتخابي بالسياق الوطني العام، معتبرا أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة وجودية تتجاوز مسألة تداول السلطة أو تجديد المؤسسات، الأمر الذي يجعل الانتخابات، برأيه، بحاجة إلى أن تكون جزءا من رؤية وطنية شاملة، لا خطوة منفصلة عن تحديات المرحلة.
وانطلاقا من ذلك، يدعو المصري إلى حوار وطني يسبق الانتخابات، يتفق خلاله الفلسطينيون على أولويات المرحلة وأسس الشراكة وبرنامج الحد الأدنى الوطني، بحيث تصبح الانتخابات أداة لتعزيز الوحدة وتجديد الشرعيات، لا مدخلاً لتكريس الانقسام.
الإصلاح لا يبدأ من صندوق الاقتراع وحده
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية الدكتور رائد نعيرات، أن الانتخابات، بصيغتها الحالية، لا تبدو مدخلا كافيا لإنهاء الانقسام الفلسطيني أو إعادة ترتيب البيت الداخلي، ما لم تسبقها تفاهمات وطنية تضمن قبول جميع الأطراف بنتائجها.
ويشير نعيرات في حديثه لصحيفة "فلسطين"، إلى أن الدعوة لإجراء الانتخابات جاءت في سياق ضغوط دولية متواصلة تتعلق بإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية، معتبرا أن الإجراءات الأخيرة، بما فيها تعديل قانون الانتخابات، يمكن قراءتها ضمن مسار يسعى إلى إظهار الاستجابة لهذه المطالب.
ويضيف أن نجاح الانتخابات لا يقاس بمجرد تنظيمها، وإنما بقدرتها على إعادة الحيوية للنظام السياسي والإجابة عن أسئلة المرحلة، وفي مقدمتها مدى مساهمتها في تحقيق الأهداف الوطنية وضمان مشاركة جميع الفلسطينيين في الداخل والخارج.
ويرى أن غياب التوافق الوطني قد يجعل الانتخابات، حتى لو أُجريت، عاجزة عن إنهاء الانقسام أو إنتاج حالة سياسية مستقرة، وهو ما يفرض، بحسب تقديره، إعطاء الأولوية للتوافق على قواعد الشراكة قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع.
أسئلة ما تزال معلقة
وتشير مجمل المواقف السياسية والحقوقية إلى أن الاعتراضات المطروحة لا تستهدف مبدأ الانتخابات بحد ذاته، وإنما تركز على الظروف السياسية والقانونية التي ستجري في ظلها، ومدى قدرتها على تحقيق أهداف تتجاوز مجرد تشكيل مجلس تشريعي جديد.
ومع استمرار الانقسام، وتعقيدات المشهد في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، تبدو الانتخابات، وفق كثير من القراءات، بحاجة إلى توافق سياسي أوسع يضمن مشاركة الجميع ويمنح نتائجها شرعية وطنية يصعب الطعن فيها.
وفي المحصلة، يبقى نجاح الانتخابات مرهونا بقدرتها على التحول من استحقاق دستوري إلى مسار وطني يعيد ترتيب البيت الفلسطيني، عبر شراكة حقيقية وقبول بنتائجها. فإما أن تكون مدخلا لتجديد الشرعيات واستعادة الثقة، أو محطة جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات المؤجلة.

