فلسطين أون لاين

تقرير بعد عامين ونصف.. شهادة جديدة تكشف ظروف استشهاد الطبيب إياد الرنتيسي

...
الطبيب الشهيد إياد الرنتيسي
غزة- نبيل سنونو:

في مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة، اعتاد الدكتور إياد الرنتيسي الوقوف في المكان الذي تبدأ فيه الحياة. لكن بعد سنوات قضاها طبيبًا ورئيسًا لقسم الولادة، انتهت قصته داخل مركز تحقيق إسرائيلي، بعدما اعتُقل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، لتظهر بعد عامين ونصف العام شهادة جديدة على ظروف استشهاده.

وكان الرنتيسي (53 عامًا) قد اعتقل خلال الحرب عند حاجز عسكري أقامه جيش الاحتلال قرب محور "نتساريم" سابقًا، ليصبح ثاني طبيب من قطاع غزة يُعلن عن استشهاده داخل السجون الإسرائيلية بعد الطبيب عدنان البرش.

وظلت عائلة الرنتيسي لأشهر تنتظر معرفة مصيره، قبل أن تكشف وسائل إعلام عبرية عن استشهاده داخل مركز تحقيق تابع لجهاز الأمن الداخلي للاحتلال "الشاباك" في مدينة عسقلان بالداخل الفلسطيني المحتل.

كما حظرت محكمة إسرائيلية نشر تفاصيل الجريمة عقب استشهاد الطبيب الرنتيسي، قبل أن تنتهي مدة الحظر لاحقًا.

وبعد أكثر من عامين ونصف العام على رحيله، تكشف شهادة أسير محرر طلب عدم كشف هويته، تفاصيل جديدة عن ظروف استشهاد الطبيب الرنتيسي، نقلًا عن مدير مستشفى كمال عدوان في حينه الدكتور أحمد الكحلوت الذي قابله في زنازين التحقيق بمكتب تحقيق سجن عسقلان، في 13 ديسمبر/ كانون الأول 2023، وانتقل معه إلى سجني "عوفر" و"نفحة" أيضًا.

يقول المُحرَّر، المقرب من الدكتور الكحلوت، لصحيفة "فلسطين": إن الأخير أخبره أن الرنتيسي تعرض خلال التحقيق لضرب شديد ومبرح تركز على منطقة الكليتين، ما أدى -بحسب الرواية التي نقلها- إلى نزيف حاد واستشهاده بعد أيام من اعتقاله في مكتب التحقيق التابع للشاباك في "عسقلان".

ويضيف أن الكحلوت أبلغه بأن أحد المحققين هدده خلال التحقيق بالقول: "إن لم تعترف بما نريده سنقتلك كما قتلنا صاحبك"، في إشارة إلى الرنتيسي.

ويؤكد المُحرَّر أن ما تعرض له الطبيب الرنتيسي يجسد واقعًا يقاسيه الأسرى في سجون الاحتلال، قائلاً: "هذه ليست الحالة الوحيدة، استشهد معي في نفس الفترة وفي الزنزانة نفسها شخص في الستينيات من عمره من آل الغندور نتيجة التعذيب".

صدمة كبيرة

وبينما تكشف الشهادة الجديدة تفاصيل عن ظروف استشهاد الطبيب الرنتيسي، فإن عائلته بقيت طوال أشهر، بعد اعتقاله، تعيش على أمل الإفراج عنه. وفي مقطع مصور عقب إعلان استشهاده، روت ابنته دينا لحظة تلقي الخبر، واستعادت تفاصيل اعتقاله الأخير.

تصف دينا لحظة تلقي العائلة الخبر بأنها "صدمة كبيرة"، موضحة أنهم كانوا ينتظرون لثمانية أشهر نبأ الإفراج عنه.

وتقول: "تلقينا الخبر عبر صحيفة "هآرتس" العبرية، لم نكن متوقعين أن يكون قد استشهد، كنت أنتظر أن يقولوا لي تم الإفراج عنه".

"طوال ثمانية أشهر كنت أكتب وأطلب من الناس أن يدعوا لأبي بأن يفك الله أسره، لم أتخيل إطلاقًا أنه يمكن أن يكون استشهد. أرى أبي في كل موقف وذكرى ومناسبة، أراه أمامي وأتخيل ردة فعله، من شدة اشتياقي له"، بأسى تتابع حديثها.

دينا الرنتيسي.jpg


وتستحضر دينا آخر لحظات وجودها إلى جانب والدها قبل اعتقاله، قائلة: "اعتقلوه وأنا بجانبه، ولم نستطع أن نفعل شيئًا. كنت أريد أن أمسك يده وأقول له شيئًا، لكنني لم أستطع".

وتضيف أن والدها اعتُقل بـ"همجية"، موضحة أنه كان يرتدي بدلة العمليات بعد أن أجرى آخر عملية ولادة في مستشفى أصدقاء المريض، قبل أن يناديه جنود الاحتلال على حاجز "نتساريم" باستهزاء: "تعال يا ممرض".

وتتابع: "صحيح أننا راضون بقضاء الله وقدره، لكننا نطالب بالتحقيق فيما حدث له. أريد أن أعرف ماذا جرى معه، فأنا مشتاقة له. أبي لم يكن مجرد والد، كان معلمي وطبيبي وملهمي، وكل شيء بالنسبة لي".

وتختم حديثها: "رغم كل هذا الحزن الذي بداخلنا، نحن راضون بقضاء الله وقدره وفخورون به. بابا لا تليق به إلا الشهادة".

ووفق وزارة الصحة في غزة، فإن الاحتلال اعتقل أكثر من 320 من الكوادر الصحية خلال حرب الإبادة الجماعية، لا يزال 83 منهم داخل سجونه. وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء إلى استشهاد ثلاثة أطباء داخل سجون الاحتلال منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وبين غرفة الولادة التي اعتاد أن يستقبل فيها الحياة، وغرفة التحقيق التي أنهت حياته، تختصر قصة الطبيب الرنتيسي مسار طبيبٍ حمل رسالة إنسانية حتى آخر أيامه، لتبقى تفاصيل رحيله محل بحث ومطالبة بكشف الحقيقة.

 

المصدر / فلسطين أون لاين