على مقربة من الأحياء الشرقية التي التهم ما يسمى الخط الأصفر أجزاء واسعة منها، طالب حشد من الأهالي بوقف هجمات الاحتلال العدوانية وحماية المدنيين، وبتدخل دولي لمنع مزيد من قضم الأراضي الذي يحرمهم بيوتهم ومدارسهم ومستشفياتهم ومقومات حياتهم.
جاء ذلك خلال وقفة شعبية احتجاجية اليوم في ميدان فلسطين بمدينة غزة، رفضا لاستمرار تمدد "الخط الأصفر"، رفع خلالها المشاركون يافطات تندد بجرائم الاحتلال.
وقال المتحدث باسم أهالي شرق غزة، المختار حامد جندية، إن الوقفة جاءت في ظل تصاعد الهجمات الاحتلالية "الهمجية" على المناطق الشرقية، رغم الالتزام الفلسطيني باتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدا أن استمرار استهداف المدنيين وتوسيع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" يتعارض مع الالتزامات التي تضمنها الاتفاق.
وقال جندية خلال الوقفة: "في كل ساعة تراق دماء أبنائنا وتتطاير أشلائهم هنا وهناك"، مشددا على ضرورة إلزام الاحتلال باتفاق غزة.
وطالب رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث بعدم استلام أي عمل إداري "ما دام هناك قدم واحد للاحتلال الإسرائيلي على شبر واحد من أرضنا المحتلة وخصوصا في شرق غزة"، مطالباً الجهات العربية والدولية التي رعت اتفاق وقف إطلاق النار بتحمل مسؤولياتها، والضغط لوقف الهجمات وضمان تنفيذ الاتفاق من جانب الاحتلال.
وتساءل جندية: "أين هو وقف إطلاق النار؟ أين الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني الذي ينزف كل يوم؟"، مردفا: "يوميا هناك قافلة من الشهداء، ونحن نخاطب العالم: كنا نراكم في التلفاز تعالجون كلبا أو طيرا وتوصمون أنفسكم بأنكم ترحمون الحيوان والطير، ألا ترحمون أشلاء الأطفال والشيوخ والنساء التي تمزق في الشوارع؟".
وتابع: "أين العدالة التي يتغنى بها الغرب؟"، منبها إلى أن الخط الأصفر يتمدد يوميا وتزداد حدته ويقتل الغزيين.
ودعا في الوقت ذاته إلى تعزيز التلاحم والوحدة الداخلية لـ"إخراج العدو من أرضنا"، مؤكدا أن "المعركة هي من أجل فلسطين من النهر إلى البحر"، وأن تمسك الأهالي بأرضهم سيبقى قائماً رغم الظروف.
خط دفاع أول
من جهتها، قالت المتحدثة باسم مؤسسات حقوق الإنسان نسرين يونس: إن المناطق الشرقية لغزة تبرز من قلب المعاناة كخط دفاع أول ليس فقط عن الجغرافيا بل عن الهوية والوجود الفلسطيني.
وأضافت يونس في كلمتها أن أهالي المناطق الشرقية يواجهون فصلا جديدا من فصول التضييق والتهجير القسري تحت مسميات واهية ووهمية وإجراءات تعسفية يحاول الاحتلال فرضها وأبرزها ما يسمى بتحريك الخط الأصفر.
وحذرت من أن المخطط الإسرائيلي يرمي علنا إلى قضم المزيد من الأراضي وتحويل المناطق والبلدات النابضة بالحياة إلى مناطق عازلة خالية من أصحابها.
وأوضحت أن هذا المخطط مُجرّم قانونيا ودوليا، إذ إن الخط الأصفر ليس إلا أداة جديدة من أدوات التطهير العرقي والتهجير القسري وهو جريمة حرب مكتملة الأركان وجريمة ضد الإنسانية وفقا للقانون الدولي والإنساني ولاسيما اتفاقية جنيف الرابعة.
وبينت يونس أن محاولة فرض واقع جغرافي وأمني جديد بقوة السلاح يرمي إلى حرمان المواطنين من العودة لبيوتهم وتدمير مقومات الحياة كافة.
وأشارت إلى أهمية المساندة القانونية للأهالي، كونها تشكل الدرع الذي يحمي بقاءهم عبر تحويل إجراءات الاحتلال إلى عبء سياسي وقانوني ودولي وإثبات بطلانها وعدم شرعيتها بمرور الزمن.
وأشادت بصمود أهالي المناطق الشرقية وتمسكهم بأرضهم وإصرارهم على البقاء وإعادة بناء ما دمره الاحتلال، مؤكدة أن ذلك هو خط الدفاع الأول الذي يُسقط كل خطوط الوهم الاستعمارية.
ونبهت إلى أن ثبات الأهالي ليس مجرد خيار معيشي بل فعل مقاومة أصيل يحمي الهوية الجغرافية والسياسية لقطاع غزة، مشددة على أن كل إجراءات الاحتلال ومخططاته وعلاماته الصفراء لن تغير من حقيقة جغرافيا وتاريخ الأرض الفلسطينية.
وقالت يونس: إن الخطوط الثابتة لأهالي المناطق الشرقية هي خطوط الوفاء لدماء الشهداء والتجذر والتمسك بحق العودة والحياة الكريمة على أرض الآباء والأجداد.
وطالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والجهات الراعية لوقف إطلاق النار بالتحرك والتدخل لمحاسبة قيادة الاحتلال على جريمة التهجير القسري وفرض مناطق عازلة، والعمل على تنظيم حملات قانونية وإعلامية دولية تشرح خطورة ما يسمى الخط الأصفر كمصطلح استعماري يرمي إلى قضم الأراضي وتفريغها من السكان الأصليين.
وتمثل المنطقة الصفراء المواقع التي تقع تحت سيطرة جيش الاحتلال حاليا خارج الخط الأصفر في قطاع غزة، وهو الخط الذي تراجعت إليه قوات الاحتلال بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقَّع في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وشكّل نطاقه في البداية نحو 58% من مساحة القطاع.
ورغم كونه خطا افتراضيا في الأصل فقد ثبّت جيش الاحتلال كتلا أسمنتية صفراء كبيرة لتحديده ميدانيا، مُحوّلا إياه إلى حزام واضح يمثل نطاق تمركز قواته ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق لكنه تعمد تحريكه وتقليص المساحة داخل الخط الأصفر.
وأجبر ذلك العديد من العائلات على النزوح مرة أخرى تفاديا للاستهداف بحجة وجودهم ضمن المنطقة الصفراء.
وفي 29 سبتمبر/أيلول 2025، أعلن ترمب خطة لإنهاء الإبادة الإسرائيلية بقطاع غزة، تشمل المرحلة الأولى منها وقف إطلاق النار، وانسحابا إسرائيليا جزئيا، والإفراج عن أسرى الاحتلال، وإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميا.
وفيما التزمت فصائل المقاومة بمتطلبات المرحلة الأولى تنصلت سلطات الاحتلال من تعهداتها وواصلت اعتداءاتها، مما أسفر عن استشهاد وإصابة مئات المواطنين، فضلا عن توسيع سيطرة الاحتلال على القطاع.
أما المرحلة الثانية فتتضمن انسحابا أوسع لجيش الاحتلال من قطاع غزة، وإعادة الإعمار، وهو ما لم تنفذه (إسرائيل) أيضا.
وتشن دولة الاحتلال منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، خلّفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90% من البنى التحتية، مع تكلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.