فلسطين أون لاين

وصفت ما ترتكبه "إسرائيل" بأنه "جريمة إبادة جماعية"

حوار مسؤول مسيحي: قرار الكنيسة المشيخية الأميركية بشأن غزة اعتراف أخلاقي بالإبادة

...
رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، ديمتري دلياني
غزة- القدس المحتلة/ علي البطة:

عدَّ رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، ديمتري دلياني، أن قرار الجمعية العامة للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة، الذي وصف ما ترتكبه دولة الاحتلال الإسرائيلي في غزة بأنه "جريمة إبادة جماعية"، يمثل محطة مفصلية في مسار المواقف الكنسية العالمية، لأنه يضع الجرائم المرتكبة في القطاع ضمن إطارها القانوني والأخلاقي، ويمنح القضية الفلسطينية دعما مؤسسيا واسعا داخل المجتمع الأميركي.

وقال دلياني لصحيفة "فلسطين"، إن القرار الذي أقر بأغلبية 454 صوتاً مقابل 15، يعكس قناعة راسخة داخل الجمعية العامة للكنيسة المشيخية بأن ما يجري في قطاع غزة يتناقض مع جوهر الإيمان المسيحي وقيم العدالة وحرمة الحياة الإنسانية، مؤكداً أن هذا التصويت يحمل دلالات تتجاوز البعد الكنسي إلى المجالين السياسي والأخلاقي.

وأضاف أن صدور هذا الموقف عن واحدة من أبرز الكنائس البروتستانتية في الولايات المتحدة يمنح القضية الفلسطينية حضورا مؤسسيا مؤثرا داخل المجتمع الأميركي، لافتا إلى أن الكنيسة المشيخية تمتلك تاريخا طويلا في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وأن القرار الجديد يرفع مستوى هذا الالتزام ويمنحه تأثيرا مباشرا داخل المؤسسات الدينية والتعليمية التابعة لها.

وانعقدت فعاليات الجمعية العامة للكنيسة المشيخية الأمريكية في الفترة ما بين 22 يونيو، و2 يوليو، في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأمريكية.

والكنيسة المشيخية واحدة من أكبر الطوائف البروتستانتية في الولايات المتحدة، وتتميز بتاريخ طويل من النشاط السياسي والاجتماعي، وتعتمد في إدارتها نظاما ديمقراطيا يمنح جمعيتها العامة سلطة اتخاذ مواقف رسمية بشأن القضايا الدولية.

وتبنت على مدار العقود الماضية نهجا حقوقيا تجاه القضية الفلسطينية، إذ تركز في رؤيتها على مبادئ العدالة الاجتماعية، ومناهضة الاستيطان، ودعم حقوق الإنسان، ما جعلها من بين المؤسسات الدينية الأمريكية الأكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية ودعما لحقوق الشعب الفلسطيني.

من الموقف الأخلاقي إلى الضغط السياسي والاقتصادي

وأشار دلياني إلى أن القرار يوسع الجبهة الأخلاقية داخل المجتمع الكنسي الأميركي، ويضع الكنائس التي تواصل دعم "إسرائيل" أمام مسؤولياتها تجاه النتائج السياسية والإنسانية المترتبة على هذا الدعم، مؤكدا أن الموقف الجديد يتجاوز حدود البيانات الرمزية إلى خطوات عملية تتعلق بالسياسات العامة والاستثمارات.

وبين أن الجمعية العامة وجهت مكتب الشهادة العامة التابع للكنيسة إلى العمل من أجل وقف مبيعات الأسلحة الأميركية لإسرائيل، كما شجعت أعضاء الكنيسة على مقاطعة منتجات الشركات الإسرائيلية المرتبطة بانتهاكات القانون الدولي، معتبرا أن هذه الخطوات تنقل موقف الكنيسة إلى مستوى الضغط السياسي والاقتصادي المؤثر.

وأضاف أن الجمعية العامة أقرت أيضا قرارا منفصلا يقضي بإضافة شركتي "بالانتير تكنولوجيز" و"جنرال إلكتريك إيروسبيس" إلى قائمة سحب الاستثمارات والحظر الكنسي بسبب ارتباط منتجاتهما بالصناعات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يمنح القرار بعدا اقتصاديا يتجاوز الإطار الرمزي.

وأكد دلياني أن القرار لا يلزم الحكومة الأميركية أو الكونغرس قانونيا، لكنه يمتلك قوة تنفيذية داخل مؤسسات الكنيسة نفسها، إذ تصبح الأجهزة المختصة ملزمة بتنفيذ ما أقرته الجمعية العامة وفق صلاحياتها التنظيمية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تحركات منظمة في واشنطن للتأثير في دوائر صنع القرار.

شهادات فلسطينية صنعت الموقف

ورأى دلياني أن الشهادات الفلسطينية المسيحية والاتصالات المباشرة التي أجرتها المؤسسات والهيئات المسيحية، ومن بينها التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، لعبت دورا محوريا في النقاشات التي سبقت التصويت، وأسهمت في نقل الرواية الفلسطينية بصورة مباشرة إلى أعضاء الجمعية العامة.

وأشار إلى أن القس الفلسطيني الأميركي اللاجئ فهد أبو عقل، الرئيس السابق للجمعية العامة للكنيسة المشيخية وأحد الناجين من نكبة عام 1948، حضر جلسة التصويت، وروى تجربته مع التهجير القسري، رابطا بين ما عاشه طفلاً وما يعيشه أطفال غزة اليوم، في شهادة تركت أثرا كبيرا في نفوس المندوبين.

وأضاف أن اللجنة المختصة استمعت أيضا إلى شهادة نهاد شاهين، التي عرضت واقع الاعتداءات المتصاعدة في الضفة الغربية، وما يتعرض له الفلسطينيون من مصادرة للأراضي وتصاعد إرهاب المستوطنين، كما تابعت شهادة مصورة للشاب الفلسطيني نوار دياب من غزة، تحدث فيها عن قصف كنيسة القديس برفيريوس أثناء إيوائها نازحين.

وأكد دلياني أن المرحلة المقبلة تتطلب من الكنائس والمؤسسات المسيحية في الولايات المتحدة وأوروبا تسمية الإبادة باسمها، وترجمة ذلك إلى خطوات عملية، تشمل الضغط لوقف تصدير السلاح، وسحب الاستثمارات من الشركات المتورطة في دعم العمليات العسكرية، وإعادة النظر في العلاقات مع المؤسسات التي تبرر الاحتلال والانتهاكات.

وشدد على أن الكنائس الأميركية مطالبة أيضا بمواجهة ما وصفه بالصهيونية المسيحية، باعتبارها توظيفاً منحرفا للنصوص الدينية لخدمة مشروع استعماري، مؤكدا أن الرسالة المسيحية لا تمنح شرعية للاحتلال أو قتل المدنيين أو تجويعهم أو تهجيرهم، وأن مسؤولية الكنائس تتطلب استخدام نفوذها السياسي والاقتصادي والإعلامي للدفاع عن العدالة.

ألف يوم من الحرب ورسائل إلى العالم

وقال دلياني، إن مرور ألف يوم على الحرب في غزة أسقط ادعاء الجهل بما يجري، بعدما شاهد العالم أحياء سكنية تدمر، ومستشفيات تقصف، وأطفالا يقتلون تحت الأنقاض أو بسبب التجويع، إضافة إلى استهداف الصحافيين والطواقم الطبية والنازحين، وهو ما يجعل استمرار الصمت أمراً يصعب تبريره أخلاقيا.

وأضاف أن قرار الكنيسة المشيخية يعكس تحولا متزايدا داخل المؤسسات الكنسية والأكاديمية الأميركية، مشيرا إلى أن الأكاديمية الأميركية للعلوم الدينية اعتمدت بدورها قرارا تضامنيا مع غزة بأغلبية واسعة، أدان ما وصفته بالإبادة وتدمير النظام التعليمي الفلسطيني، وهو ما يعكس اتساع دائرة المواقف المنتقدة للحرب.

وأوضح أن هذه التحولات تكشف تراجع الغطاء الأخلاقي الذي وفرته مؤسسات غربية لإسرائيل خلال العقود الماضية، وأن استمرار الحرب طوال ألف يوم يضع الكنائس والمؤسسات الدينية أمام مسؤولية مراجعة علاقاتها ومساءلة حكوماتها بشأن استمرار الدعم العسكري والسياسي.

ودعا دلياني إلى أن يكون إحياء اليوم الألف مناسبة لإعادة الإنسان الفلسطيني إلى قلب المشهد، مؤكدا أن لكل شهيد اسما وعائلة وحياة وأحلاما، وأن مسؤولية الفلسطينيين وأنصارهم تتمثل في نقل هذه الحقيقة إلى الكنائس والجامعات والبرلمانات ووسائل الإعلام بلغة تحفظ كرامة الضحايا وتمنع اختزالهم في مجرد أرقام.

كما دعا إلى تخصيص الصلوات والقداديس والعظات في مختلف أنحاء العالم لضحايا الحرب، وقرع أجراس الكنائس، وقراءة أسماء الشهداء، وعرض شهادات الناجين وصور المدن والمخيمات المدمرة، باعتبارها فعاليات تحمل رسالة أخلاقية وإنسانية تدعو إلى حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

المصدر / فلسطين أون لاين