قائمة الموقع

"عفيفة": استقالة تضع الجميع أمام الامتحان

2026-07-09T09:45:00+03:00
وسام عفيفة
فلسطين أون لاين

ليست كل الاستقالات نهاية طريق. أحيانًا تكون الاستقالة بداية اختبار.

في غزة، حيث لا يشبه شيءٌ معناه العادي، جاءت استقالة رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي وحلّ لجنة الطوارئ الحكومية أكبر من إجراء إداري. لم تكن مجرد مغادرة موقع، ولا تبديل اسم بآخر. كانت رسالة سياسية مكتوبة بلغة الإدارة: نحن مستعدون للانتقال من الكلام إلى الفعل، فهل أنتم مستعدون؟

منذ شهور، يدور النقاش حول سؤال واحد: من يدير غزة؟

لكن السؤال، بعد هذه الخطوة، لم يعد كما كان. لم يعد السؤال: هل توجد جهوزية فلسطينية لنقل المسؤوليات؟ بل صار: من يمنع تحويل التفاهمات إلى واقع؟ ومن يملك قرار فتح الطريق أمام اللجنة الوطنية لإدارة غزة كي تتسلم مهامها؟ ومن يفضل إبقاء غزة معلقة بين اتفاق لا يكتمل، وانسحاب لا يحدث، وإعمار لا يبدأ؟

في المعنى السياسي، أرادت الإدارة القائمة في غزة أن تسقط واحدة من أكثر الذرائع استخدامًا: ذريعة التمسك بالحكم. فحين تعلن استعدادها لتسليم المسؤوليات التنفيذية، وتقدم خطوة عملية في هذا الاتجاه، فإنها تنقل عبء الاختبار إلى الأطراف الأخرى: الوسطاء، مجلس السلام، الإدارة الأميركية، وقبل ذلك الاحتلال الذي ما زال يتحكم بالأرض والمعابر ومسار التنفيذ.

لكن المشهد ليس بسيطًا.

حكومة الاحتلال قرأت الخطوة بعين التشكيك . تذرعت مجددا بأن الخطوة مناورة أو محاولة لكسب الوقت. الإعلام العبري ذهب في الاتجاه نفسه تقريبًا: أما الإعلام الغربي فقال: نعم، هناك خطوة سياسية لافتة، لكنها لا تحسم وحدها سؤال القوة الفعلية على الأرض، ولا تجيب نهائيًا عن ملف الأمن والسلاح والترتيبات اللاحقة.

وهنا تكمن عقدة المرحلة.

لكن غزة لا تنتقل من وضع إلى آخر بضغطة زر. هناك إدارة، وموظفون، وأجهزة خدمات، وبلديات، ومستشفيات، وشرطة، ومدارس، ورواتب، وناس يريدون ماءً وخبزًا ودواءً قبل أن يسمعوا لغة البيانات. لذلك، فإن تشكيل ترتيبات مؤقتة لتسيير الأعمال لا يعني إنشاء بديل دائم، ولا الالتفاف على اللجنة الوطنية، بل منع الفراغ الإداري في لحظة شديدة الهشاشة.

فالفراغ في غزة لا يبقى فراغًا. يتحول سريعًا إلى فوضى. والفوضى في قطاع محاصر ومدمر لا تعني ارتباكًا إداريًا فقط، بل تعني تهديدًا مباشرًا لحياة الناس.

من هنا، تبدو الخطوة أقرب إلى جسر اضطراري بين مرحلتين: مرحلة الإدارة القائمة التي تقول إنها مستعدة للتسليم، ومرحلة اللجنة الوطنية التي يفترض أن تتسلم وتعمل وتدير. لكن هذا الجسر يحتاج إلى ضفة أخرى. لا يكفي أن يمد طرف يده، في حين الطرف المقابل يغلق الطريق أو يضع شروطًا لا تنتهي.

المهم الآن ليس عدد البيانات المرحبة أو المشككة. المهم هو ما سيحدث على الأرض.

هل ستُفتح الطريق أمام اللجنة الوطنية لإدارة غزة؟

هل ستتوقف (إسرائيل) عن استخدام الفيتو ذريعة للمماطلة؟

هل ستضغط الإدارة الأميركية والوسطاء لتحويل الاتفاق إلى جدول تنفيذ؟

وهل سيبدأ الانسحاب، والإعمار، وترتيب الإدارة، بدل استمرار لعبة الانتظار؟

لقد قالت هذه الاستقالة ما يكفي. قالت إن الكرة لم تعد في ملعب غزة وحدها. وقالت إن الاختبار الحقيقي لم يعد في إعلان النوايا، بل في القدرة على تحويلها إلى خطوات ملموسة.

غزة لا تحتاج إلى جولة جديدة من التفسيرات. تحتاج إلى قرار.

والذين تحدثوا طويلًا عن ضرورة تسليم الإدارة، صاروا اليوم أمام امتحان مباشر: إما أن يساعدوا على تسلّمها فعلًا، وإما أن يعترفوا بأن المشكلة لم تكن يومًا في شكل الإدارة، بل في غياب الإرادة السياسية لرفع اليد عن غزة وفتح الطريق أمام إنقاذها.

ما جرى ليس خاتمة مسار. إنه افتتاح مرحلة اختبار.

وفي هذه المرحلة، لن تقاس الجدية بالكلمات، بل بالأفعال.

اخبار ذات صلة