إعلان حل "لجنة الطوارئ الحكومية" في قطاع غزة هو إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى صدم الوعي السياسي الإقليمي والدولي وحشره في زاوية الحقائق العارية، إنها خطوة تنتمي إلى "الواقعية السياسية الشجاعة" التي تسعى إلى تجريد الاحتلال من ترسانة ذرائعه، وتعرية سرديته القائمة على تضخيم صورة الخصم لإطالة أمد الإبادة لغايات انتخابية داخلية.
اليوم تقف غزة بلا رتوش وبلا هوامش مناورة مدنية؛ حيث باتت السيطرة العسكرية والقانونية والأمنية تقع مباشرة تحت عبء الاحتلال وفقاً لـ "منطق القوة الغاشمة"، هذا التحول الدراماتيكي يضع المنظومة الإقليمية أمام اختبار تاريخي، ويحيل ملف القطاع بأسره إلى "العمق الاستراتيجي الحتمي" متمثلاً في الدولة المصرية، باعتبارها الطرف العربي الوحيد القادر على صياغة "معادلة كبح جماح التهجير" واستعادة التوازن المفقود، بعيداً عن "التفكير الرغائبي" الذي يعتاش على الأوهام السياسية.
تفكيك وهم السيطرة وسقوط السردية الصهيونية
في عمق المشهد الغزيّ الراهن، يتكشف بوضوح حجم الفجوة بين ما تروج له الماكينة الإعلامية والسياسية الصهيونية وبين الحقائق العارية على الأرض، إن الإصرار الصهيوني على تسويق فكرة أن حركة حماس ما زالت تبسط سيطرتها المطلقة على القطاع، ينبع من حاجتها الملحّة إلى التضخيم الوظيفي للحركة؛ وهي استراتيجية تعتمدها "تل أبيب" لخلط الأوراق وتخليق عدو متضخم يبرر استمرار آلة القتل والتدمير.
إن القراءة الموضوعية للميدان تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الحركة لم تعد تمسك بزمام السيطرة الميدانية نتيجة للأثمان الباهظة وحرب الإبادة المستمرة، وما تروج له الحكومة الصهيونية ليس إلا محاولة لفرض "السيطرة الافتراضية مقابل الأمر الواقع"؛ بهدف إقناع الرأي العام الصهيوني والدولي بوجود كيان سلطوي قائم تجب محاربته حتى النهاية، هذا السلوك يعكس بوضوح الاستثمار السياسي الصهيوني في أمد الحرب، حيث تغدو استطالة زمن المواجهة وتغذية البروباغندا المضللة مصلحة وجودية لتيارات اليمين الحاكم، التي تجد في إبقاء غزة تحت وطأة الحرب مخرجاً لأزماتها السياسية والانتخابية الداخلية، ولو كان ذلك على حساب دحض الحقائق اللوجستية فوق جغرافيا القطاع المحترق.
حل لجنة الطوارئ.. نزع الذرائع ومواجهة "التفكير الرغائبي"
جاء قرار حل لجنة الطوارئ الحكومية والهيئات المدنية ليقطع دابر التأويلات، معلناً الانتقال من مرحلة المحاولة الإدارية إلى مرحلة المكاشفة السياسية الشاملة، لم تكن هذه اللجان في حقيقتها سوى هياكل مدنية هشّة تشكلت في ظروف بالغة التعقيد، مقتصرة على إدارة الحد الأدنى من متطلبات البقاء الآدمي، وبأدوات شبه منعدمة فرضتها قسوة الحصار والعدوان، وبالتالي فإن تصوير خطوة حل هذه الهياكل على أنها مناورة بقاء أو تكتيك سياسي للمراوغة، هو غرق متعمد في وحل "التفكير الرغائبي" أو "الرغبوية السياسية" التي تمارسها بعض الأطراف عبر إعادة تدوير السردية الصهيونية دون وعي بمآلاتها.
إن إقدام الحركة على تفكيك هذه الأطر المدنية هو خطوة استراتيجية جريئة تهدف بالدرجة الأولى إلى تجريد الاحتلال من الذرائع التي يتكئ عليها لشرعنة دمار غزة وتبرير تهجير سكانها تحت لافتة "تقويض سلطة الحركة المدنية"، هذه الخطوة وضعت حداً فاصلاً للغموض، وحررت المشهد من أي غطاء إداري يمكن للاحتلال أن يتذرع به، لتبدو الخطوة كرسالة سياسية بالغة الحكمة والواقعية، مفادها أن الاستمرار في قراءة المشهد بناءً على الأمنيات والرهان على دفع الحركة للاستسلام العسكري التام عبر الضغط على اللجان المدنية، ليس إلا وهماً سياسياً يقع ضحيته من يرفضون رؤية الواقع كما هو.
"تعالوا فتسلموها".. غزة مكشوفة إدارياً وقانونياً أمام الاحتلال
من يملك القوة والنار والتحكم الأمني والعسكري الكامل في غزة اليوم هو الاحتلال الصهيوني، وبناءً على هذا الواقع الجديد، تصبح أطروحة الحركة الضمنية واضحة ومباشرة: "هذه غزة من شمالها إلى جنوبها، تعالوا فتسلّموها"؛ وهي عبارة لا تحمل في طياتها استسلاماً عسكرياً، بقدر ما هي إعلان صريح بأن غزة باتت "عارية إدارياً"، وأن الاحتلال بات يواجه غزة مباشرة وجهاً لوجه بلا وسيط مدني أو إداري يحميه من تبعات أفعاله، وبذلك، يسقط أي مبرر قانوني أو أخلاقي للتهرب من المسؤولية القانونية لقوة الاحتلال بموجب القانون الدولي، الذي يلزم القوة المحتلة بإدارة الشؤون الحياتية واليومية للمدنيين وتوفير احتياجاتهم كاملة.
وفي هذا السياق، يتهاوى المبرر الصهيوني الأخير المتمثل في سلاح الحركة، حيث تؤكد المعطيات أن الآلة العسكرية دمرت الجزء الأكبر من الترسانة العسكرية، ولم يعد ثمة وجود حقيقي مؤثر إلا لـ "فزاعة السلاح الشخصي"، وهو سلاح فردي لا يمكن اعتباره معضلة استراتيجية في حسابات الحروب الكبرى، ويمكن التوافق على ترتيباته ومصيره في أي تسوية شاملة لإنقاذ الجغرافيا الفلسطينية، إن إصرار "إسرائيل" على تضخيم هذا السلاح الفردي ليس إلا ذريعة لتفادي استحقاقات وقف الحرب، ليبقى الميدان بعد حل لجنة الطوارئ بمثابة التحدي الميداني المفتوح الذي يضع حكومة الاحتلال أمام مسؤولياتها المباشرة كقوة احتلال عسكري مباشر، بلا رتوش وبلا هوامش للمناورة السياسية.
كابوس التهجير وتدمير الجغرافيا.. لماذا يجب فهم رسائل الحركة؟
إن الخطوة الجريئة المتمثلة في حل الهيئات المدنية هي دعوة ملحة لـ "قراءة الرسائل الضمنية" التي يبعث بها الواقع الميداني في غزة إلى صناع القرار والمنظومة الإقليمية، إن عدم التقاط هذه الرسائل العميقة، أو الانجرار وراء التقديرات القاصرة التي تظن أن انكفاء الحركة إدارياً هو مجرد علامة على الاستسلام الوشيك، يمثل منزلقاً خطيراً يمنح الاحتلال غطاءً سياسياً غير مباشر، هذا القصور في الفهم يمنح تل أبيب الضوء الأخضر للمضي قدماً في "شرعنة تدمير الجغرافيا" وتحويل قطاع غزة إلى أرض غير قابلة للحياة، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الأكثر خطورة في أجندة اليمين المتطرف.
اليوم يتجاوز المخطط الصهيوني حدود الاستهداف العسكري التقليدي ليدخل في طور "هندسة التهجير القسري"، وهي عملية ممنهجة تستهدف تفريغ الأرض عبر استنزاف ما تبقى من الأرض ومقومات البقاء البشري عليها، بناءً على ذلك يصبح الفهم الواعي والمسؤول لحكمة الخطوة السياسية التي اتخذتها الحركة جدار الحماية الأخير؛ إذ إن تجريد الاحتلال من لافتة "محاربة سلطة حماس المدنية" يضعه في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي كقوة تدمير ديموغرافي وجغرافي محض، ويحرمه من أي مسوغات هجومية إضافية لإتمام نكبته المتجددة بحق الإنسان الفلسطيني.
الدور المصري.. الشريان القومي وصمام أمان الأمن المشترك
أمام هذا المشهد المكشوف والبالغ التعقيد، تبرز الدولة المصرية كضرورة جيو-سياسية لا بديل عنها، والطرف العربي الوحيد القادر على صياغة معادلة التوازن الإقليمي الكفيلة بوقف آلة الإبادة والتهجير، إن الرهان على القراءة المصرية ينبع من حقيقة أن القاهرة تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبار غزة تمثل العمق الاستراتيجي الحتمي للأمن القومي المصري، وهو ما يفرض عليها مسؤوليات تاريخية وقومية وإسلامية جسيمة، تمتلك مصر بحكم وزنها الإقليمي ومكانتها الدولية الأدوات السياسية والدبلوماسية لترجمتها إلى واقع عملي يكبح جماح التغول الصهيوني.
هذه المقاربة تتسق تماماً مع الرؤية الراسخة التي كان يؤكد عليها القائد الشهيد إسماعيل هنية -رحمه الله- حين كان يردد بأن مصر تمثل الشريان والأمل، وبأن "أمن مصر القومي هو أمن لقطاع غزة وفلسطين"، إن هذا المبدأ يعكس "التلازم العضوي بين الأمنين (المصري والفلسطيني)"، حيث لا يمكن للاحتلال أن يفصل غزة عن عمقها العربي والمصري مهما بلغت قوة نيرانه، ومن هنا، تبرز الدولة المصرية اليوم كـ "صمام أمان الجغرافيا" والتاريخ معاً؛ فهي القادرة على نسج شبكة الأمان التي تبطل مفاعيل خطط التهجير وتمنع استئناف الحرب، معيدةً صياغة المشهد وفق محددات تحمي الحق الفلسطيني وتصون الأمن القومي العربي من الاختراق والتصفية.
حقيقة غزة المجرّدة.. والامتحان الأخير
ختاماً، ينكشف الغبار عن غزة اليوم لتظهر الحقيقة المجرّدة بلا مساحيق تزينها، وبلا لجان طوارئ تستر عورة التخاذل الدولي، بحل هيئاتها المدنية، رمت غزة بالكرة كاملة في ملعب المجتمع الدولي، وحشرت آلة الحرب الصهيونية في زاوية المسؤولية المباشرة؛ فلا ذرائع بقيت ليتذرع بها الواهمون، ولا هياكل ظلت ليقصفها الحاقدون، إنها اللحظة السياسية الفارقة التي تسقط فيها رغائب الأمنيات أمام صخرة الواقع المعمد بالدم، إما التفاتة تاريخية شجاعة تقودها مصر العروبة لفرض معادلة لجم الطغيان وإنقاذ الأرض والإنسان، وإما صمت مريب يشرعن إبادة الجغرافيا وتمرير كابوس التهجير، لقد قالت غزة كلمتها الأخيرة، ونزعت قناع المبررات عن وجه الجميع؛ ولم يعد أمام العالم إلا أن يختار: إما الانحياز لواقعية النجاة، أو التواطؤ مع أوهام الفناء.. ولن يرحم التاريخ من سقطوا في فخ التفكير الرغائبي بينما كانت غزة تُباد.