يترقب سكان قطاع غزة بحذر وأمل ملامح المرحلة الإدارية الجديدة، مع بدء "لجنة تسيير الأعمال" مهامها تمهيدًا لتسلم "حكومة التكنوقراط" إدارة القطاع، وسط تطلعات بأن تسهم هذه الخطوة في تحسين الأوضاع الإنسانية، وتسريع إعادة الإعمار، ومعالجة الملفات المعيشية والوظيفية التي أثقلت كاهل المواطنين على مدار السنوات الماضية.
ويضع الغزيون إعادة إعمار ما دمرته الحرب وتحسين الخدمات الأساسية في مقدمة أولوياتهم، إلى جانب توفير فرص العمل، وحل أزمتي الكهرباء والمياه، باعتبارها ملفات تمس الحياة اليومية بشكل مباشر.
كما يتصدر ملف إعادة الإعمار مطالب المواطنين، الذين يؤكدون ضرورة إبعاده عن التجاذبات السياسية والتعامل معه باعتباره استحقاقًا إنسانيًا عاجلًا.
ويقول المواطن أبو إياد النزلي، الذي دُمّر منزله المكوّن من أربعة طوابق خلال الحرب، إن أكبر أمنياته تتمثل في إعادة بناء منزله ولمّ شمل أسرته التي تفرقت بعد تدميره.
وأوضح لصحيفة "فلسطين" أن منزله لم يكن مجرد مأوى، بل كان يجمع أبناءه جميعًا، في حين يعيش اليوم مع أحد أبنائه في خيمة فوق أنقاض المنزل، فيما اضطر أبناؤه الآخرون للإقامة في أماكن متفرقة.
وأضاف: "أكبر حلم لدي أن أجمع أبنائي من جديد تحت سقف واحد"، مؤكدًا أن تأخير الإعمار وصرف التعويضات يفاقم معاناة آلاف الأسر المتضررة.
اقرأ المزيد: ارتياح شعبي لقرار "العمل الحكومي" ومطالبات لـ"اللجنة الوطنية" بتحمل مسؤولياتها
ويأمل آلاف المواطنين أن تفتح الترتيبات الإدارية الجديدة الباب أمام بدء عملية إعادة الإعمار، وصرف التعويضات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، بما يشمل الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والمرافق التعليمية والصحية.
وفي هذا السياق، قال خبير الإسكان والبنية التحتية المهندس محمد العسكري إن قطاع غزة يواجه أزمة حادة في خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تراكم نحو 60 مليون طن من الركام، في ظل استمرار الاحتلال بمنع إدخال المعدات والآليات اللازمة لإزالته وإعادة تدويره.
وأوضح العسكري لـ"فلسطين" أن نحو 60% من مساحة القطاع تقع ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ما أدى إلى خروج مساحات واسعة من الأحياء السكنية والأراضي الزراعية والمناطق الصناعية عن الخدمة.
وقدّر حجم الدمار بنحو 300 ألف وحدة سكنية مدمرة كليًا، إضافة إلى أضرار جسيمة لحقت بالمصانع والمنشآت الاقتصادية، مشيرًا إلى وجود 24 خطة لإعادة إعمار غزة لم تدخل حيز التنفيذ رغم التعهدات الدولية.
وفي الجانب الاقتصادي، يطالب العمال بتحريك عجلة الاقتصاد وتوفير فرص عمل، إلى جانب صرف مستحقاتهم المتأخرة.
وقال رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين سامي العمصي إن نحو 400 ألف عامل يعيشون أوضاعًا مأساوية في ظل البطالة المرتفعة، بينما تُحتجز حقوق مالية تُقدّر بنحو 20 مليار دولار منذ سنوات.
كما تطالب الأسر الفقيرة بانتظام صرف مخصصات الشؤون الاجتماعية، باعتبارها مصدر الدخل الوحيد لآلاف العائلات.
وأوضح الناطق باسم منتفعي الشؤون الاجتماعية في غزة صبحي المغربي أن نحو 81 ألف أسرة حُرمت من 27 دفعة مالية متتالية، منها 15 دفعة مستحقة قبل الحرب، لافتًا إلى أن إجمالي المستحقات المتراكمة تجاوز 2.8 مليار شيكل.
وفي موازاة ذلك، يبرز ملف الموظفين باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، في ظل مخاوف من تأثير التغييرات الإدارية على مستقبلهم الوظيفي.
وأكد المختص الاقتصادي محمد سكيك أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تستند إلى ضمان الحقوق المكتسبة، ودمج الموظفين وفق الاحتياج والكفاءة بعيدًا عن الاعتبارات السياسية، من خلال لجنة إدارية وقانونية مستقلة، مع إعادة هيكلة الجهاز الحكومي وتفعيل برامج التقاعد المبكر الاختياري، بما يحقق العدالة والاستقرار.
ويُقدَّر عدد موظفي حكومة غزة الذين جرى تعيينهم بعد عام 2007 بنحو 45 إلى 48 ألف موظف في القطاعات المدنية والأمنية، ما يجعل هذا الملف أحد أبرز التحديات أمام الإدارة الجديدة.
وفي إطار الترتيبات الجارية، قدّم رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي بالإنابة ورئيس لجنة الطوارئ الحكومية استقالتيهما، فيما كُلّف الدكتور عبد الهادي الأغا بتشكيل لجنة لتسيير الأعمال، بالتنسيق مع الجانب المصري، لإدارة المرحلة الانتقالية ضمن إعادة هيكلة الإدارة المدنية في قطاع غزة.