بعد خمسة أيام من القلق والترقب، فوجئت منار بعودة زوجها جراح التجميل مدحت صيدم إلى المنزل على غير المتوقع. كان الطبيب مناوبًا في مجمع الشفاء الطبي، لكنه غادر عمله مؤقتًا لظرفٍ عائلي. وبينما كانت الأسرة تستعيد لحظات افتقدتها طوال أيام، لم يدم اللقاء طويلاً. ساعات قليلة فقط، دوّى بعدها القصف وحوّل العودة المفاجئة إلى وداع أخير.
"لم يترك مناوبته في العمل يومًا" على عكس ذلك اليوم، كما تقول منار لصحيفة "فلسطين". كانت غزة تشهد فواجع ثامن أيام حرب الإبادة في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. عاد الطبيب، وهو أحد أعمدة قسم الحروق في مجمع الشفاء، إلى المنزل مصطحبًا شقيقته النازحة قسرًا من حي الزيتون بمدينة غزة إلى بيت أهلها في ذات المبنى الذي يقيم فيه بحي تل الهوا.
تستعيد منار حدثًا لا يفارقها، بنبرةٍ يتخطفها الحزن: "كان نظام عمله قائمًا على المناوبات. في الفترة الأخيرة مكث في المستشفى لأيام عدة، لأنه خشي أن يعود إلى البيت فلا يجد مواصلات في ظل الحرب".
كان بعده عن عائلته قاسيًا بينما تنهمر صواريخ الاحتلال على غزة، مرت الساعات والأيام ثقيلة على منار وأبنائها: محمود ومنة ومرام وملك.
ولم يجمع بينهم خلال غيابه سوى اتصالات هاتفية متقطعة. تقول منار: "كنا نعاني ونخاف عليه.." ولم يكن ذلك القلق حكرًا عليها، فالأبناء الذين اعتادوا غياب والدهم بسبب المناوبات لم يعتادوا غيابه وسط حرب الإبادة.
ورغم الخوف الذي لم يُفارقها، لم تكن منار تطلب من زوجها البقاء في المنزل. كانت ترى أن مكانه بين الجرحى والمصابين، مرددةً: "إذا كل طبيب خاف على أسرته وما راح على شغله، مين بدو ينقذ الناس؟".
العشاء الأخير
في ظهيرة ذلك اليوم، اتصل مدحت بزملائه في مجمع الشفاء وأبلغهم أنه متعب ولن يعود إلى المستشفى، لم تكن منار تعلم ذلك. وحين اتصلت به للاطمئنان عليه، فوجئت بقوله: "هيني عندك في البيت". استغربت الأمر، وسألته كيف غادر عمله، فأخبرها أنه أوصل شقيقته إلى بيت العائلة، وأنه يجلس قليلًا عند أهله.
كان ذوو مدحت يقيمون في طابق سفلي من المبنى، بينما تسكن منار وأطفالها في الطابق الأخير. وبعد قليل صعد إلى الشقة، حيث كانت منار تستضيف أهلها النازحين أيضا بعد تهديد الاحتلال للبرج الذي كانوا يسكنونه. جلس بينهم لبعض الوقت، وانشغل بإصلاح وحدات الإضاءة (الليدات) في ظل انقطاع الكهرباء.
تنقل الطبيب بين شقته وشقة أهله، وبعد العشاء باغت الاحتلال العائلة بضربة جوية من ثلاثة صواريخ متتابعة أصابت أسفل المبنى السكني المكون من أربعة طوابق، ودمرته كليًا دون سابق إنذار.
"كنا نجلس بجانب بعضنا البعض قبل وقوع الضربة، وكان الظلام حالكًا، فلم نر شيئًا"، ترتب منار شريط الأحداث، مضيفة أن زوجها اعتاد عند حدوث قصف قريب التوجه إلى شرفة المنزل لمعرفة مكانه، وهو ما فعله في المرة الأخيرة أيضًا إذ كان الاعتقاد ابتداء أن الاستهداف مجاور وليس لمنزل العائلة نفسه.
استشهد الطبيب مدحت ضمن 22 فردًا من عائلته والنازحين لديها، وانتشلت منار وأبناؤها وأهلها من تحت الأنقاض أحياء، باستثناء أخت لها ارتقت شهيدة.
في تلك المجزرة، استشهدت والدته وإخوته وزوجاتهم وأولادهم وشقيقته وأبناؤها وزوجة خاله وأبناؤها.
شغف الطب
رحل الطبيب عن عمر ناهز 47 عامًا، تاركًا خلفه زوجته وأربعة أبناء كانوا محور حياته. محمود، الابن الأكبر، يقدم حاليًا امتحانات الثانوية العامة، فيما تدرس التوأم منة ومرام في الصف الحادي عشر، وتلتحق الصغرى ملك بالصف السادس الأساسي.
نجت الأسرة من تحت أنقاض المبنى، لتبقى حاملةً ما زرعه فيها الأب من قيمٍ وأحلام، فقد حرص على غرس حب العلم في نفوسهم، وشجعهم على التعلم والاجتهاد، كما نقل إلى ابنه محمود شغفه بالطب حتى بات يحلم بالسير على خطى والده.
تقول منار: إن "محمود تعلق بمهنة الطب منذ صغره، متأثرًا بما كان يراه من عمل والده وتعاملاته داخل الوسط الطبي، ويأمل اليوم أن يحقق حلمه بدراسة الطب وأن يكمل المسيرة التي بدأها والده".
ولم يكن الطب بالنسبة لصيدم مجرد مهنة، كما تصفه زوجته، بل أسلوب حياة. فقد احتفظ بعلاقة وثيقة مع عائلته الكبيرة، وكان حاضرًا في تفاصيل حياتهم اليومية. وكلما اشتكى أحد أفراد الأسرة من عارض صحي أو احتاج إلى استشارة، كان أول من يلجؤون إليه.
وتقول منار: إن زوجها كان محبوبًا من الجميع، اجتماعيًا ومتعاونًا، لا يتردد في تقديم المساعدة أو تخصيص وقته لمن يحتاجه.
خسارة كبيرة
وفي المستشفى ذاته الذي عمل فيه صيدم، يستعيد زملاؤه ملامحه الهادئة. ويصف المدير العام لمجمع الشفاء الطبي د. محمد أبو سلمية زميله الراحل بأنه "من أروع الشخصيات التي قابلها في حياته"، مضيفًا أنه كان يؤدي عمله بهدوء وإتقان ويحظى بمحبة واحترام زملائه.
ويؤكد أبو سلمية لصحيفة "فلسطين" أن استشهاد صيدم شكّل خسارة كبيرة لقسم جراحة التجميل والحروق، الذي كان يضم عددًا محدودًا جدًا من الأطباء المتخصصين.
بقي صيدم حاضرًا في ذاكرة أسرته، وغائبًا عن بيتٍ لم يعد كما كان، فيما لا يزال زملاؤه في مجمع الشفاء يستحضرون سيرة طبيب ترك أثره في المكان قبل أن يغادره إلى الأبد.