قائمة الموقع

محمد الهبيل "غرفة عمليات متحركة" اغتالها الاحتلال

2026-07-06T10:30:00+03:00
الحكيم محمد موسى الهبيل
فلسطين أون لاين

منذ الساعات الأولى لحرب الإبادة، لم يفارق الحكيم محمد موسى الهبيل حقيبته الطبية، متنقلاً بين شوارع مدينة غزة لإسعاف الجرحى والمصابين، قبل أن يواصل عمله في مجمع الشفاء الطبي ثم المستشفى الأهلي العربي "المعمداني"، رافضًا مغادرة مدينته أو التخلي عن رسالته الإنسانية. ولم تقتصر جهوده على إنقاذ الأرواح داخل المستشفيات، بل امتدت إلى دعم صمود السكان عبر تشغيل بئر مياه خاص به لتزويد مئات العائلات بالمياه، حتى استهدفه الاحتلال الإسرائيلي بصاروخ مباشر، في حين كان يؤدي هذه المهمة، ليرتقي شهيدًا برفقة نجله الصغير موسى، في مشهد يلخص حجم الاستهداف لكل من يتمسك بالحياة في غزة.

لم يعرف الحكيم محمد موسى الهبيل (38 عامًا) الراحة يومًا، ولم تنحصر رسالته الإنسانية داخل أروقة المستشفيات، إذ بادر خلال الحرب إلى تشغيل بئر مياه يملكه في منطقة "أبو إسكندر" شمال مدينة غزة، وكان يشرف بنفسه، برفقة شقيقه رامي، على إيصال المياه يوميًا إلى نحو 400 عائلة، في محاولة للتخفيف من معاناة السكان وتعزيز صمودهم.

وفي يوم الاثنين 15 يونيو/حزيران 2026، عاد الهبيل من مناوبته في قسم الطوارئ بمجمع الشفاء الطبي، ليتولى مهمته الثانية في خدمة الأهالي. صعد إلى سطح منزله لمتابعة ضخ المياه، بينما كان أبناء أشقائه يلهون في بركة صغيرة ملأها لهم. وبعد دقائق غادر الأطفال، إلا أن نجله الأصغر موسى (5 أعوام) أصر على البقاء إلى جوار والده الذي لم يره منذ ساعات الصباح.

كان المشهد إنسانيًا خالصًا؛ أبٌ يوزع المياه على جيرانه وطفله يحتضنه، في مرأى من طائرات الاحتلال المسيّرة التي كانت تحلق في الأجواء. لكن ذلك لم يمنع الطائرة الإسرائيلية من إطلاق صاروخ واحد أنهى حياتهما، واختلطت دماؤهما بالمياه التي كانا يوزعانها على العطشى.

يروي شقيقه رامي الهبيل، الذي كان في المنزل لحظة القصف، تفاصيل اللحظات الأولى قائلاً: "بعد الانفجار صعدت إلى السطح، فوجدت بركة من الدماء أسفل أخي، وكان قد استشهد على الفور، أما طفله موسى فكان لا يزال على قيد الحياة، حملته إلى المستشفى، لكنه استشهد متأثرًا بجراحه".

ويستعيد رامي بدايات مبادرة تشغيل البئر، قائلاً لصحيفة "فلسطين": "طوال الحرب كان يشغل البئر لتوفير المياه للأهالي، وفي يومه الأخير جمع بين واجبه المهني في علاج المرضى وواجبه الإنساني في إيصال المياه للسكان".

ولا يجد رامي تفسيرًا لاستهداف شقيقه سوى أن البئر كان يمثل شريان حياة للمنطقة، مضيفًا: "عمارتنا ليست الأعلى في المنطقة، ولسنا قريبين من مناطق القتال. استهدفونا لأننا كنا نعزز صمود الناس. في السابق كانت طائرات (كواد كابتر) تطلق النار علينا فنختبئ، أما اليوم فأصبحت تقصفنا بالصواريخ".

ويشير إلى أن عائلته وعائلة شقيقه اضطرتا للنزوح مع بداية الحرب إلى جنوب القطاع، قبل أن يعود الشقيقان وحدهما إلى مدينة غزة لمواصلة خدمة الأهالي.

غرفة عمليات متحركة

على مدار نحو 18 عامًا من العمل في مهنة التمريض، عرف محمد الهبيل بإنسانيته وتفانيه، حتى أطلق عليه المقربون لقب "غرفة عمليات متحركة"، خاصة خلال الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة لمناطق شمال غزة.

ويقول شقيقه إن الهبيل كان على رأس عمله في مجمع الشفاء الطبي خلال اقتحامه في بداية الحرب، ولم يغادره إلا قبل ساعات من محاصرته وإلحاق دمار واسع به، ثم واصل رسالته الإنسانية في المستشفى الأهلي العربي "المعمداني".

ويضيف بفخر: "كان يعمل في قسم استقبال الطوارئ لأنه كان يرى نفسه أكثر قدرة على خدمة أكبر عدد من الجرحى والمصابين، وأنا واحد ممن أنقذ حياتهم".

ويستذكر إصابته في أغسطس/آب 2025، عندما تعرض لقطع في شريان الفخذ إثر قصف إسرائيلي أدى إلى استشهاد زوجته، قائلاً: "دخلت المستشفى في حالة حرجة جدًا، وبقيت في العناية المركزة 35 يومًا، وكان أخي يتابع علاجي بنفسه حتى تعافيت".

حصل محمد الهبيل عام 2008 على دبلوم التمريض من الكلية الجامعية، ثم أكمل درجة البكالوريوس، وتنقل بين أقسام العناية المكثفة والصدرية، قبل أن يستقر في قسم استقبال الطوارئ، الذي ظل يعتبره مكانه الأقرب إلى رسالته الإنسانية.

ولإيمانه بأهمية مهنة التمريض، شجع أبناء شقيقه على الالتحاق بهذا التخصص، إذ يقول رامي: "أقنع ابني محمد بدراسة التمريض، وبعد ثلاث سنوات من الدراسة أشرف بنفسه على تدريبه، ثم التحق ابني الثاني ساجد بالتخصص ذاته".

وكان يردد دائمًا، بحسب شقيقه: "الحياة ليست مالًا ولا راتبًا، سنرحل جميعًا، وخدمة الناس هي المكسب الحقيقي في الدنيا والآخرة".

"كان ملاكًا في البيت"

وتصفه زوجته ريهام شاهين بأنه "الرفيق والصديق والحبيب والزوج الوفي"، مؤكدة أنه لم يبخل يومًا بعطائه أو اهتمامه، مهما اشتدت ظروف الحرب.

وتقول: "كان كأنه ملاك يحلّ في البيت، يحمل معه السعادة والطمأنينة. كان أبًا حنونًا ومعطاءً، تعلق بأبنائه تعلقًا كبيرًا، خاصة ابنه الأصغر موسى الذي لم يكن يفارقه، وكانت روحه معلقة بوالده حتى استشهد معه".

وتضيف: "أما ابنته زينة، فكان يناديها دائمًا بـ(زينة حياتي) ويلقبها بالملكة، فيما كان يوصي ابنه أسامة بالمحافظة على الصلاة وحفظ القرآن، وكان يحلم أن يراه طبيبًا يسير على دربه".

لحظات أخيرة

وتؤكد ريهام أن زوجها لم يعرف الكلل أو الراحة، وكان أشبه بـ"خلية نحل"، يحمل حقيبته الطبية على ظهره طوال الحرب، متنقلاً بين المصابين والجرحى داخل المستشفيات وخارجها.

وتقول: "شارك في علاج الإصابات المعقدة، من الحروق إلى العمليات المختلفة، وكان الأطباء يلقبونه بملاك مستشفى الشفاء، لأنه لم يتغيب عن عمله رغم شدة القصف، وعندما استشهد بكاه كل من عرفه وعمل معه".

وعن يومه الأخير، تستعيد تفاصيل الساعات الأخيرة قائلة: "عاد إلى المنزل مبكرًا على غير عادته، وساعدني في إعداد الغداء، ثم جلس مع أفراد العائلة يمازحهم ويضحك معهم، قبل أن يصعد إلى سطح البناية".

وتتابع بصوت يثقله الحزن: "ملأ بركة صغيرة بالمياه، واجتمع الأطفال حوله يسبحون ويلعبون ويتراشقون بالماء. وبعد انتهاء اللعب عاد الأطفال إلى منازلهم، لكن موسى رفض مغادرة والده، وبقي إلى جواره، ليرتقيا معًا شهيدين"

اخبار ذات صلة