في خيمة نزوح تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، يخوض الطفل أحمد القاضي (9 أعوام) معركة يومية على جبهتين؛ الأولى مع حرب الإبادة التي حرمته حقه في العلاج، والثانية مع مرض وراثي نادر يهدد حياته في كل لحظة. وبعد مرور ألف يوم على الحرب في قطاع غزة، تتلاشى فرص أحمد في استكمال علاجه، في حين يواصل جسده الهش مقاومة المرض وسط انهيار المنظومة الصحية وانعدام الدواء.
ويعاني أحمد مرض نقص المناعة المشترك الشديد (SCID)، وهو مرض وراثي نادر يجعل جهازه المناعي عاجزًا عن مقاومة أبسط أنواع العدوى، ما يفرض عليه رعاية طبية دقيقة وعلاجًا مستمرًا لا يحتمل الانقطاع.
ومنذ ولادته، لم يعرف أحمد طفولة طبيعية، إذ بدأت معاناته في أيامه الأولى مع ارتفاع حاد في درجات الحرارة، وإسهال مزمن، وسعال متواصل، وانتشار الفطريات في الفم والجسم، دون أن تحقق العلاجات التي تلقاها أي تحسن يُذكر.
وتستعيد والدته، راوية القاضي، تلك البدايات المؤلمة، قائلة: "منذ ولادة أحمد بدأت معاناته، فقد كان يعاني من ارتفاع شديد في درجات الحرارة لا يستجيب للعلاج الوريدي، إلى جانب إسهال مزمن وسعال مستمر، وانتشار الفطريات في الفم والجسم، وكل الأدوية التي كان يتلقاها لم تكن تحقق أي تحسن".
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "بعد سلسلة طويلة من الفحوصات والتحاليل، أخبرنا الأطباء أن أحمد مصاب بمرض نقص المناعة المشترك الشديد، وهو مرض وراثي نادر وخطير. ومنذ تلك اللحظة أصبحت أنا وأحمد شبه مقيمين في المستشفى، ننتقل من قسم إلى آخر، بحثًا عن أي فرصة تمنحه حياة طبيعية".
وفي عام 2018، حصل أحمد على تحويلة طبية إلى أحد المستشفيات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث خضع لعملية زراعة نخاع عظم، لتبدأ بعدها مرحلة متابعة دورية، كان يسافر خلالها كل شهر تقريبًا لإجراء الفحوصات، وتلقي العلاج، والحصول على جرعات الغلوبولين المناعي الوريدي (IVIG)، التي تساعد على حماية جسده من الالتهابات الخطيرة.
لكن الحرب أوقفت تلك الرحلة العلاجية، وتقول والدته: "منذ اندلاع الحرب حُرم أحمد من السفر لاستكمال علاجه، وتدهورت حالته تدريجيًا حتى أصبحت قريبة مما كانت عليه قبل زراعة النخاع. باتت الالتهابات الصدرية تلاحقه باستمرار، وأصبح يمضي وقتًا في المستشفى أكثر مما يقضيه بين أفراد أسرته، بينما العلاج الأساسي الذي يحتاجه، وهو الغلوبولين المناعي الوريدي، لم يعد متوفرًا".
منهك جسديا ونفسيا
وتصف الأم تفاصيل معاناة طفلها اليومية قائلة: "لم يعد أحمد يحتمل وخز الإبر أو تغيير القسطرة الوريدية (الكانيولا) المستخدمة لإعطائه المحاليل والأدوية. ورغم أنه لا يزال طفلًا، فإن الألم المتكرر جعله عصبيًا ومنهكًا نفسيًا، وكأن سنوات المرض سرقت منه براءة طفولته".
ولا يقتصر الخطر على انقطاع العلاج، فبيئة النزوح نفسها أصبحت تهدد حياته في كل لحظة، إذ توضح والدته: "نعيش في خيمة لا تصلح أصلًا لإقامة طفل يعاني من نقص المناعة. أخشى عليه من الاختلاط بالأطفال خوفًا من أي فيروس أو عدوى جلدية قد تودي بحياته. حتى المستشفيات لم تعد توفر غرف العزل كما في السابق، وفي إحدى المرات أصيب بفيروس خطير استدعى بقاءه أيامًا في قسم العناية المركزة".
ولم تحرم الحرب أحمد من العلاج فحسب، بل سلبته أيضًا أبسط تفاصيل طفولته؛ فلم يعد قادرًا على الذهاب إلى المدرسة أو اللعب أو مشاركة أقرانه حياتهم اليومية، وأصبح يقضي معظم وقته متنقلًا بين خيمة النزوح والمستشفى، يراقب الأطفال من بعيد دون أن يجرؤ على الاقتراب منهم.
وتقول والدته بحسرة: "أحمد محروم من المدرسة، وكان من المفترض أن يكون قد أنهى الصف الثالث الابتدائي. كما أنه محروم من اللعب، وحتى من معانقة الأطفال أو الجلوس بينهم، لأن أي عدوى بسيطة قد تتحول بالنسبة له إلى معركة حقيقية مع الموت، لذلك أصبح يعيش معزولًا عن العالم".
وتتضاعف مخاوف الأسرة بسبب تجربة فقدان قاسية لا تزال حاضرة في ذاكرتها، إذ فقدت طفلين سابقًا كانا مصابين بالمرض الوراثي ذاته.
وتختتم الأم مناشدتها قائلة: "فقدت طفلين بسبب هذا المرض، ولا أريد أن أفقد أحمد أيضًا. لا أطلب من الدنيا سوى أن يُسمح له بالسفر لتلقي العلاج الذي يحتاجه. الأطباء أكدوا لنا أن استمرار حرمانه من العلاج قد يؤدي إلى وفاته، وكل يوم يمر دون علاج يسرق من عمره وفرصته في الحياة".