تعددت الخطط والمقترحات الإسرائيلية لتهجير سكان قطاع غزة المحاصر برا وبحرا وجوا، غير أن الثابت الوحيد هو صمود الفلسطيني على أرضه وتمسكه بحقوقه بالرغم من الإبادة الجماعية المستمرة منذ نحو 1000 يوم.
فمنذ اليوم الأول للإبادة الإسرائيلية 8 أكتوبر/ تشرين أول 2023، لم تُخفِ "إسرائيل" خططها العلنية للقتل والدمار والتهجير في غزة، وفي هذا السياق، صرح ذات وزير إسرائيلي بمخطط التهجير وصولا لمصادقة المجلس الوزاري السياسي والأمني (كابينت) على إنشاء "مديرية الانتقال الطوعي لسكان غزة" في مارس/ آذار 2025م.
ولاحقا أعلن وزير الجيش يسرائيل كاتس إنشاء الهيئة المكلفة بترتيب عمليات النقل برا وبحرا وجوا إلى دول ثالثة، إلا أن المشروع بقي حبرا على ورق.
وكشفت صحيفة "هآرتس" العبرية في أبريل/نيسان الماضي أن مستشارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للشؤون الدولية كارولين غليك أجرت اتصالات مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية، في محاولة لإيجاد وجهات لاستقبال الفلسطينيين، لكنها لم تحقق أي اختراق.
وبعد عامين ونصف العام من الرفض الدولي والفشل الإسرائيلي في الترويج للمخطط أو إيجاد دولة واحدة توافق على استقبال الغزيين، عادت حكومة الاحتلال المتطرفة لإحياء المشروع ذاته، لكن هذه المرة تحت عنوان جديد هو "خطة حرية التنقل"، وذلك في محاولة وصفها مراقبون في حديثهم لصحيفة "فلسطين" بأنه: "تلاعب بالمصطلحات" لتسويق المخطط أمام المجتمع الدولي.
وبحسب "القناة 13" العبرية فإن التحول الإسرائيلي لا يقتصر على تعديل لغوي، بل يعكس اعترافا إسرائيليا ضمنيا بأن المصطلح السابق يشكل عبئا سياسيا ودبلوماسيا، بعدما اعتبرته أطراف دولية غطاء لعملية تهجير قسري تتعارض مع القانون الدولي.
فشل مكرر
وذكر المختص في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين أن خطة التهجير الإسرائيلية لا تزال قائمة وراسخة في أذهان قادة الاحتلال - كخطة جاهزة للتنفيذ تنتظر الظروف المناسبة والبيئة الدولية - التي تغض الطرف عنها.
ورغم وجود الخطة والتلويح بتنفيذها ذات مرة خلال الإبادة الإسرائيلية، أكد فشل خطة التهجير فشلا ذريعا - كغيرها من الخطط – على غرار الشركة الأمريكية لتوزيع المساعدات والتي غادرت القطاع في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بعد ارتقاء مئات الشهداء نتيجة سياسة التجويع القسري.
واستدل أيضا بفشل خطة الميناء الأمريكي العائم الذي فككه الجيش الأمريكي في يوليو 2024، بعد إقامته قبالة ساحل غزة بتكلفة مالية بلغت نحو 320 مليون دولار إلى جانب استدلاله بفشل تقسيم جيش الاحتلال للقطاع شمالا وجنوبا.
وعزا السبب وراء هذا الفشل الإسرائيلي المتكرر إلى حالة الوعي التي أظهرها أبناء شعبنا في غزة، وضرب مثالا أخير بفشل الحراك المشبوه الذي روج له إسرائيليا والميليشيات المتعاونة معها في 26 يونيو الماضي لإثارة الفوضى داخل القطاع.
لكن الأمر لا يمكن أن يقتصر على ذلك، بحسب ياسين الذي شدد على ضرورة مساندة دولية وعربية لتعزيز صمود الفلسطينيين في غزة، عدا عن دور الوسطاء في لجم الاحتلال ومخططاته ومطالبته باحترام اتفاق وقف إطلاق النار وتطبيق بنوده.
يشار إلى أن خطط ومقترحات التهجير والاستيطان داخل غزة تتعارض مع خطط دولية سابقة، من بينها خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب على غزة التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2025م.
استراتيجية فلسطينية - عربية
وبينما ترسخ (إسرائيل) غزة كمنطقة جغرافية غير صالحة للعيش، رأي المحلل السياسي د. عماد عمر، أن إعادة طرح خطة التهجير مجددا تحمل أبعادا سياسية قبيل الانتخابات الإسرائيلية المزمع عقدها نهاية هذا العام.
وذكر عمر أن حكومة الاحتلال تحاول إحياء هذا الملف بعدة طرق ولا سيما بعد الفشل الإسرائيلي أمام إيران ودون إحراز تقدم في الجبهة اللبنانية أو جبهة غزة.
وقال إن فشل رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو أصبح محط أنظار المجتمع الإسرائيلي، وهو ما يدفعه للتقدم نحو "ملف غزة" الأضعف أمام الملفات الإقليمية الأخرى، وبالتالي سيحاول عبر القتل أو التدمير أو التهجير كسب أصوات الناخبين الإسرائيليين.
وأشار إلى تصاعد عمليات القتل والاغتيالات اليومية، الإخلاءات والقصف، توسعة "الخط الأصفر" ونسف المنازل السكنية، وحشر السكان المدنيين في مساحات ضيقة إلى جانب طرح أفكار إسرائيلية كالاستيطان قرب غزة أو إقامة جدار استيطاني في "غلاف غزة".
وأضاف: الاحتلال فشل خلال الإبادة الجماعية في تطبيق "خطة الجنرالات" لطرد السكان من شمال القطاع إلى جنوبه، وبالتالي فإن الفشل الإسرائيلي المتكرر في تطبيق خطط التهجير تستوجب استراتيجية فلسطينية وعربية موحدة.
"خطة الجنرالات" هي خطة عسكرية إسرائيلية وضعت للسيطرة على شمال القطاع، وتهجير المدنيين إلى جنوبه واعتبار كل من يبقى مقاتلا، لكن بعد أسابيع اعترف مهندس الخطة "غيورا آيلاند" بفشلها الذريع.
وفي أبعاد أخرى، رأي عمر أن حكومة الاحتلال تحاول عبر التلويح بهذه الأوراق الضغط على حركة حماس والفصائل الفلسطينية لتقديم تنازلات أخرى أمام الرفض العربي والدولي الواسع لمخطط تهجير الفلسطينيين من غزة.
ويقر ممثلو جهازي "الموساد" و"الشاباك" بالصعوبات التي تواجه تنفيذ التهجير الطوعي من غزة، أكدوا - بحسب "هآرتس" - أنه لم يتم العثور على أي دولة مستعدة لاستقبال سكان القطاع.
ولذلك، أوصى الكاتب السياسي بضرورة وجود قيادة واستراتيجية وطنية – عربية موحدة لدعم صمود الفلسطينيين ومواجهة التحديات الخطيرة التي تواجه القضية الفلسطينية.