قائمة الموقع

البروفيسور ناصر أبو النور.. عالمٌ حمل الوطن في قلبه حتى الشهادة

2026-06-30T09:14:00+03:00
البروفيسور ناصر أبو النور
فلسطين أون لاين

لم يكن البروفيسور ناصر إبراهيم أبو النور مجرد أكاديمي مرموق أو باحث حصد أرفع الدرجات العلمية، بل كان نموذجًا للعالِم الذي ظل يحمل وطنه في قلبه أينما ارتحل، مؤمنًا بأن المعرفة الحقيقية تكتمل حين تُسخَّر لخدمة الإنسان. وبينما فتحت له الجامعات العالمية أبوابها، ظل الحنين إلى غزة أقوى من كل المغريات، فعاد إليها ليزرع العلم ويصنع أجيالًا من الكفاءات، قبل أن تنهي غارة إسرائيلية رحلته وتضيف اسمه إلى سجل العلماء الذين اغتالتهم الحرب.

ينحدر أبو النور من عائلة فلسطينية هجّرت من قرية حتّا المحتلة عام 1948، وشغل منصب عميد كلية التمريض في الجامعة الإسلامية بغزة، ويُعد أحد أبرز الأكاديميين والباحثين الفلسطينيين في مجال التمريض والصحة العامة. كما صُنّف ضمن الفئة الأولى في النشر العلمي الدولي، وترك إرثًا بحثيًا واسعًا أسهم في تطوير القطاع الصحي والأكاديمي.

وفي خضم حرب الإبادة على قطاع غزة، استشهد أبو النور (60 عامًا) إثر قصف إسرائيلي استهدف منزله دون سابق إنذار في 20 فبراير/شباط 2024. ولم يكن وحده ضحية المجزرة، إذ استشهدت معه زوجته الأولى، وأربع من بناته، وابنه الشاب، وحفيدته، في جريمة جسدت استهداف الاحتلال للعقول الفلسطينية والكوادر الأكاديمية التي تمثل ركيزة المجتمع.

من "حتّا" إلى الجامعات الأمريكية

وُلد أبو النور عام 1964 في قطاع غزة، حاملًا في وجدانه حلم العودة إلى قرية "حتّا" المهجرة، ونشأ في مدينة رفح جنوب القطاع، حيث تشكل وعيه الوطني وشغفه بالعلم.

لم يكن طريقه الأكاديمي مفروشًا بالورود، بل بدأ رحلة طويلة من الكفاح قادته من غزة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث سافر عام 1996، وحصل على درجة الماجستير في إدارة التمريض عام 1998، قبل أن يعود إلى وطنه محملًا بالعلم والخبرة.


 

وفي عام 2006، عاد إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته، فنال درجة الدكتوراه في الإدارة والسياسات الصحية عام 2010. ورغم قيود الاحتلال وصعوبة السفر، أصر على مناقشة رسالته العلمية وهو على أرض الوطن، في صورة عكست ارتباطه العميق بغزة.

وفي العام ذاته، فقد والدته التي عاشت سنوات طويلة تكابد الفقر والتهجير، وسعت بيديها المنهكتين لتعليم أبنائها، حتى رأت نجلها عالمًا يرفع اسم فلسطين في المحافل الدولية. وكانت تعتبر كل إنجاز يحققه تعويضًا عن غياب والده الذي استشهد برصاص الاحتلال عام 1967، حين كان ناصر طفلًا لم يتجاوز الثالثة من عمره.

عالم لم تغيّره الألقاب

زار البروفيسور أبو النور أكثر من اثنتي عشرة دولة، ومثّل فلسطين في مؤتمرات ومحافل علمية دولية، كان آخرها مؤتمر عالمي في إيطاليا قبل أشهر من اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وحصل على العديد من شهادات التميز في النشر العلمي الدولي، كما كان عضوًا فاعلًا في لجان الجودة والبحث العلمي بالجامعة الإسلامية.

ورغم مكانته الأكاديمية الرفيعة، بقي شديد التواضع، وظلت روحه معلقة بغزة، كما تروي زوجته ميسون أبو النور (52 عامًا).

وتقول لصحيفة "فلسطين"، بصوت يمتزج فيه الفخر بالحزن، إن زوجها كان يردد دائمًا: "قمامة شوارع الشابورة والزيتون عندي أفضل من أجمل شوارع أمريكا وأي دولة في العالم."

وتضيف أن هذه العبارة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت منهج حياة؛ إذ رفض عروضًا ومغريات للاستقرار في الخارج، مفضلًا العودة إلى غزة لتدريس أصعب المساقات العلمية في الجامعة الإسلامية، وكان يفاخر دائمًا بطلابه الذين أصبح كثير منهم أطباء وخبراء يخدمون مجتمعهم.

الإنسان قبل الأكاديمي

وتواصل ميسون حديثها قائلة: "لم يكن شخصية سياسية بقدر ما كان إنسانًا منحازًا للحق، يرفض الظلم بكل أشكاله. كان زوجًا وأبًا استثنائيًا، جمع بين الانضباط الأكاديمي ورقة القلب."

ترك الشهيد خلفه عائلة كبيرة تضم 14 ابنًا وابنة، فيما أصيبت زوجته الثانية وعدد من أفراد أسرتها في القصف ذاته الذي استهدف المنزل.

وخلال الحرب، لم يكتفِ بالبقاء داخل منزله، بل حوّله إلى ملاذ للنازحين الذين فقدوا بيوتهم، وفتح أبوابه للجرحى، وساند الطواقم الطبية، وتقاسم ما يملك من طعام ومال مع المحتاجين، مرددًا: "ساعدوا الناس وكونوا إلى جانبهم، والله سيعوضنا خيرًا."

وتستحضر زوجته اللحظات الأخيرة التي سبقت استشهاده، فتقول: "في أيامه الأخيرة، كان يحمل همَّ كل نازح يطرق بابنا، رغم قلة الطعام وضيق الحال. لم يكن يرى المنزل ملكًا خاصًا، بل وطنًا صغيرًا يحتضن الجميع."

وتختم حديثها بذكر موقف لا يفارق ذاكرتها، حين كان يقتسم آخر رغيف خبز مع الغرباء، ويقول لها بابتسامته الهادئة: "يا ميسون، نحن لا نطعمهم من مالنا، بل من رزق ساقه الله إليهم عبر بيتنا. فلا يضيق صدرك بما في أيدينا، فالأمانة تجاه الناس أكبر من أي جرح.

اخبار ذات صلة