فلسطين أون لاين

بين الكرسيّ المتحرك وذكريات الفقد.. "سيدين" تنتظر علاجًا يعيد طفولتها

...
الطفلة سيدين الجعيدي
غزة/ هدى الدلو:

في عمر الحادية عشرة، كان من المفترض أن تنشغل الطفلة سيدين الجعيدي بألعابها وأحلامها الصغيرة، لا أن تحفظ تفاصيل غرف العمليات وتقارير الأشعة وقوائم الانتظار الطويلة للعلاج.

في التاسع من يوليو/تموز 2024، خرجت سيدين برفقة جدتها وابنة عمها إلى السوق، في رحلة عادية لم تكن تعلم أنها ستغيّر حياتها إلى الأبد، وبينما كنّ في طريق العودة، استهدف صاروخ إسرائيلي المنطقة التي كنّ يمررن بها، لتتحول لحظات التسوق البسيطة إلى مأساة لا تزال آثارها محفورة في جسد الطفلة وذاكرتها.

تروي والدتها جيهان لصحيفة "فلسطين" تفاصيل ذلك اليوم بصوت يختلط فيه الألم بالرجاء قائلة: "بسبب قوة القصف طارت سيدين مسافة كبيرة، وعندما وصلنا إليها كانت فاقدة للوعي تمامًا، بقيت عشر ساعات في غرفة الإفاقة بين الحياة والموت، في حين كان الأطباء يحاولون إنقاذها من إصابات خطيرة أصابت معظم أنحاء جسدها".

وتضيف: "كان جسدها الصغير ممتلئًا بالشظايا والحروق، لكن أخطر الإصابات كانت شظية في البطن تسببت لها بنزيف في الكبد والطحال والقولون استمر عشرين يومًا، إضافة إلى شظية أخرى في يدها اليمنى قطعت الشريان الرئيسي، مكثت داخل غرفة العمليات سبع ساعات كاملة حتى يتمكن الأطباء من ربط الشريان وإيقاف النزيف".

ولم تتوقف معاناة سيدين عند ذلك الحد، فبعد أيام قليلة بدأت يدها اليمنى يتغير لونها تدريجيًا نتيجة المضاعفات، ومع حالة الاكتظاظ الكبيرة في المستشفيات وصعوبة الوصول إلى الأطباء آنذاك، تأخر تشخيص حالتها، قبل أن يتبين أنها تحتاج إلى عملية جديدة لتحرير الأوتار وإنقاذ وظائف يدها.

وتتابع والدتها: "دخلت سيدين بعد ذلك في دوامة جديدة من المعاناة، إذ كانت حرارتها ترتفع إلى 40 درجة بشكل متكرر دون معرفة السبب، وبعد إجراء صورة طبقية تبين وجود كدمات في الرئتين ودم ناتج عن قوة السقوط، ما تسبب بتشوهات فيهما، كما اكتشف الأطباء وجود شظية أدت إلى كسر فقرتين في العمود الفقري وأحدثت جرحًا في الحبل الشوكي".

كان وقع الخبر قاسيًا على عائلتها، فالإصابة في العمود الفقري غيّرت حياة الطفلة بالكامل، وأصبحت حبيسة كرسي متحرك بدلاً من الركض واللعب مع أقرانها.

صدمة نفسية

أمضت سيدين سبعين يومًا داخل المستشفى، متنقلة بين الأقسام وغرف العلاج، بينما كانت تحاول في الوقت نفسه استيعاب فقدان جدتها وابنة عمها اللتين استشهدتا أمامها في الحادث نفسه.

وتكمل والدتها حديثها: "لم تكن الإصابة الجسدية وحدها هي المؤلمة، بل الصدمة النفسية أيضًا، سيدين كانت مرتبطة جدًا بجدتها وابنة عمها، وما زالت تتذكرهما في كل يوم".

اليوم تعيش الطفلة تحت قيود طبية صارمة، إذ يمنعها الأطباء من الحركة أو المشي خوفًا من تحرك الشظية المستقرة بالقرب من الحبل الشوكي، ما قد يؤدي إلى إصابة أخطر وربما شلل دائم.

وتوضح والدتها أن الطفلة تحتاج بشكل عاجل إلى عمليتين أساسيتين؛ الأولى في يدها اليمنى التي لم تعد قادرة على فتحها، وتتطلب زراعة أعصاب وتطويل أوتار، والثانية لإزالة الشظية الموجودة في العمود الفقري أو تثبيتها بشكل آمن حتى تتمكن من استعادة قدرتها على الحركة.

وبالرغم من حصولها على تحويلة طبية للعلاج، اضطرت العائلة إلى إعادة إجراءاتها من البداية بعد انتهاء صلاحيتها، بدءًا من الصور الطبية والتقارير والفحوصات، مرورًا بمراجعة اللجان المختصة، وصولًا إلى الانتظار الطويل على قوائم السفر.

وتختتم والدتها مناشدتها قائلة: "كل ما نريده أن تحصل سيدين على فرصة للعلاج قبل أن تتفاقم حالتها أكثر، ابنتي تستحق أن تعود إلى مدرستها وأصدقائها وحياتها الطبيعية، وأن تستعيد طفولتها التي سُرقت منها في لحظة واحدة".

المصدر / فلسطين أون لاين