بعد مرور نحو ألف يوم على بدء الاحتلال حرب الإبادة على قطاع غزة، تتكشف تداعيات كارثية غير مسبوقة على مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها القطاع الزراعي الذي يشكّل ركيزة أساسية للأمن الغذائي.
فقد أدى القصف الواسع واستمرار العمليات العسكرية العدوانية إلى تدمير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والبنية التحتية المرتبطة بها، ما تسبب في تراجع حاد في الإنتاج الغذائي المحلي. ومع تفاقم الخسائر وتراجع القدرة على الوصول إلى الموارد، يواجه القطاع خطر انهيار شبه كامل، وسط تحذيرات من تداعيات بيئية وغذائية طويلة الأمد تهدد حياة المواطنين في غزة.
عماد أبو سويرح أحد المزارعين في قطاع غزة يواجه واقعًا مأساويًا بعد أن فقد مصدر دخله بالكامل جراء الحرب المستمرة.
وكان المزارع أبو سويرح يمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بالقرب من السياج الفاصل شرق منطقة البريج، حيث اعتاد على استثمارها في زراعة أشجار الزيتون وبعض أصناف الحمضيات، إلى جانب زراعة الخضروات الموسمية التي كان يسوقها في السوق المحلي، لتأمين احتياجات أسرته.
لكن منذ اندلاع الحرب، تغيّر كل شيء. فقد تعرضت أراضيه للتدمير الكامل، وأصبحت اليوم ضمن مناطق الهيمنة الإسرائيلية، ما حرمه من الوصول إليها أو استغلالها.
ولم تقتصر خسائره على الأرض فقط، بل طالت منزله المكوّن من طابقين، والذي دُمّر بشكل كامل، إضافة إلى بئر المياه الذي كان يعتمد عليه في الري.
ويعيش المزارع أبو سويرح كما يروي لصحيفة "فلسطين" حاليًا ظروفًا إنسانية صعبة، بعد أن نزح مع أسرته إلى إحدى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، حيث يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في ظل انعدام الدخل وتراكم الديون عليه.
ويقول إن خسارته لم تكن مجرد فقدان لأرض أو منزل، بل فقدان لحياة كاملة كان بناها على مدار سنوات طويلة من العمل في الزراعة، مشيرًا إلى أن مستقبله بات مجهولًا في ظل استمرار الأوضاع الحالية وعدم وجود أي أفق قريب للتعافي.
تكبد خسائر كبيرة
من جانبه، قال عدنان الفليت، رئيس مجلس إدارة شركة أصايل العرب للصناعات الغذائية، إن الحرب تسببت في خسائر فادحة لمشروعه الزراعي، تُقدّر بنحو 320 ألف دولار، مشيرًا إلى أن المشروع كان يهدف إلى إنشاء سلسلة مزارع حديثة لإنتاج الدواجن في قطاع غزة.
وأوضح الفليت لصحيفة "فلسطين" أن المشروع مقام على مساحة إجمالية تبلغ ستة دونمات في المناطق الشرقية لقرية المصدر وسط القطاع، وكان يضم مزرعة رئيسية حديثة على مساحة نصف دونم، بطاقة إنتاجية تصل إلى 19 ألف دجاجة في الدورة الواحدة. كما أشار إلى وجود مزرعتين إضافيتين، إحداهما كانت على وشك دخول مرحلة الإنتاج وتقع على مساحة نصف دونم، فيما كانت الأخرى قيد التجهيز على مساحة تقدر بنحو 400 متر مربع.
وبيّن الفليت أن استئجار الأرض بكامل مساحتها كان جزءًا من خطة توسعية لإنشاء سلسلة متكاملة من مزارع الدواجن الحديثة، بحيث تصل القدرة الإنتاجية الإجمالية إلى نحو 100 ألف دجاجة في كل فوج أو دورة زراعية، تمتد لنحو 40 يومًا.
وأكد أن المشروع كان يسهم بشكل مباشر في تلبية احتياجات السوق المحلي من الدواجن، ويساعد في استقرار الأسعار وخفضها، إلا أن الحرب أدت إلى توقفه بالكامل وتكبده خسائر كبيرة، في ظل استهداف البنية التحتية الزراعية وصعوبة الوصول إلى مواقع الإنتاج.
انهيار شبه كامل
من جهته، يوضح م. موسى الجدبة، الباحث في وزارة الزراعة أن "ما شهده القطاع الزراعي خلال هذه الفترة لا يمكن توصيفه كخسائر تقليدية، بل هو انهيار شبه كامل لمنظومة الإنتاج الغذائي والبيئي".
ويضيف الجدبة في عرض علمي اطلعت عليه صحيفة "فلسطين"، أن إجمالي خسائر القطاع الزراعي بلغ نحو 3.49 مليار دولار، منها 1.9 مليار دولار أضرار مباشرة.
ويتابع: "هذه الأرقام تعكس حجم الاستهداف الممنهج لمقومات الإنتاج الزراعي، بما يشمل الأراضي والمياه والبنية التحتية".
ووفق الجدبة، فقد تم تدمير نحو 165 ألف دونم زراعي بشكل كامل، فيما بلغت نسبة الضرر في القطاع نحو 88%.
ويشير إلى أن الأضرار طالت البنية المائية بشكل واسع، موضحاً: "تم تدمير أكثر من 1300 كيلومتر من خطوط نقل المياه، وآلاف الآبار الزراعية، إضافة إلى شبكات الري والبرك الزراعية، ما أدى إلى شلل كامل في العملية الإنتاجية".
وفيما يتعلق بالإنتاج الحيواني، يوضح الجدبة أن القطاع "تلقى ضربة قاصمة"، لافتاً إلى تدمير آلاف مزارع الدواجن نفوق ملايين الطيور، خسارة عشرات آلاف رؤوس المواشي، تدمير عشرات آلاف خلايا النحل .
كما امتدت الأضرار إلى قطاع الصيد البحري، حيث تم تدمير مزارع الاستزراع السمكي وتضررت مئات القوارب ومعدات الصيد.
ويقول: "آلاف الأسر فقدت مصدر رزقها، في وقت يتراجع فيه أحد أهم مصادر الغذاء البديلة".
ويحذر الجدبة من أن التداعيات لم تعد اقتصادية فقط، بل تحولت إلى أزمة بيئية متكاملة، موضحاً بالقول "نحن أمام ثلاث مراحل خطيرة: تدمير مباشر، ثم اختلال في النظم البيئية، وصولاً إلى تهديد الاستدامة البيئية، بما يشمل تدهور التربة وتلوث المياه وفقدان التنوع الحيوي".
ويضيف أن "الأمن الغذائي والمائي في قطاع غزة بات في مرحلة حرجة للغاية".
ودعا إلى تحرك عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر استصلاح الأراضي المتضررة إزالة الملوثات من التربة والمياه إعادة تأهيل الغطاء النباتي إعادة بناء البنية التحتية للمياه.
وشدد على أن التأخر في التدخل سيعمّق الأزمة، ويجعل التعافي أكثر صعوبة في السنوات المقبلة.